وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ نفاة الصِّفَاتِ الْمَعْلُومَةِ بِالشَّرْعِ أَوْ بِالْعَقْلِ مَعَ الشَّرْعِ كَالرِّضَا وَالْغَضَبِ وَالْحُبِّ وَالْفَرَحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ : هَذِهِ الصِّفَاتُ لَا تُعْقَلُ إلَّا لِجِسْمِ .
قِيلَ لَهُمْ هَذِهِ بِمَنْزِلَةِ الْإِرَادَةِ وَالسَّمْعِ : وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ فَمَا لَزِمَ فِي أَحَدِهِمَا لَزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلُهُ .
وَهَكَذَا نفاة الصِّفَات مِن الفَلَاسِفَةِ وَنَحْوِهِمْ إذَا قَالُوا ثُبُوتُ هَذِهِ الصِّفَاتِ يَسْتَلْزِمُ كَثْرَةَ الْمَعَانِي فِيهِ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ جِسْماً أَوْ مُرَكَّباً قِيلَ لَهُمْ : هَذَا كَمَا أَثْبَتُّمْ أَنَّهُ مَوْجُودٌ وَاجِبٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ وَأَنَّهُ عَاقِلٌ وَمَعْقُولٌ وَعَقْلٌ وَلَذِيذٌ وَمُلْتَذٌّ وَلَذَّةٌ وَعَاشِقٌ وَمَعْشُوقٌ وَعِشْقٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ .
فَإِنْ قَالُوا : هَذِهِ تَرْجِعُ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ قِيلَ لَهُمْ : إنْ كَانَ هَذَا مُمْتَنِعاً بَطَلَ الْفَرْقُ وَإِنْ كَانَ مُمْكِناً أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ فِي تِلْكَ مِثْلُ هَذِهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ صِفَةٍ وَصِفَةٍ .
وَالْكَلَامُ عَلَى ثُبُوتِ الصِّفَاتِ وَبُطْلَانِ أَقْوَالِ الْنُّفَاةِ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَالْمَقْصُودُ هُنَا : أَنْ نُبَيِّنَ أَنَّ ثُبُوتَ الْكَمَالِ لِلَّهِ مَعْلُومٌ بِالْعَقْلِ وَأَنَّ نَقِيضَ ذَلِكَ مُنْتَفٍ عَنْهُ فَإِنَّ الِاعْتِمَادَ فِي الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقِ مُسْتَقِيمٌ فِي الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ ؛ دُونَ تِلْكَ خِلَافَ مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمُونَ .
وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْفَلْسَفَةِ وَالْكَلَامِ : يُوَافِقُونَ عَلَى أَنَّ الْكَمَالَ لِلَّهِ ثَابِتٌ بِالْعَقْلِ وَالْفَلَاسِفَةُ تُسَمِّيهِ التَّمَامَ وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ :
مجموعة الفتاوى — صفحة 75
مساهمون: ابن تيمية
ص٧٥