فَاَللَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ إنَّهُ { بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } و { عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } وَأَنَّهُ { غَفُورٌ رَحِيمٌ } { عَزِيزٌ حَكِيمٌ } { سَمِيعٌ بَصِيرٌ } { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } وَأَنَّهُ { يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } وَيَرْضَى عَنْ الْمُؤْمِنِينَ وَيَغْضَبُ عَلَى الْكَافِرِينَ وَأَنَّهُ { فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } وَأَنَّهُ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيماً وَنَادَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبَهُ نَجِيّاً وَأَنَّهُ يُنَادِي عِبَادَهُ فَيَقُولُ : { أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } وَأَمْثَالُ ذَلِكَ وَقَالَ تَعَالَى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ } .
فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ لَا مِثْلَ لَهُ وَلَا سَمِيَّ وَلَا كُفُواً فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ مُمَاثِلاً لِشَيْءِ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ وَلَا أَنْ يَكُونَ الْمَخْلُوقُ مُكَافِئاً وَلَا مُسَامِياً لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .
وَأَمَّا " الْمَلَاحِدَةُ " فَقَلَبُوا الْأَمْرَ وَأَخَذُوا يُشَبِّهُونَهُ بِالْمَعْدُومَاتِ وَالْمُمْتَنِعَاتِ والمتناقضات فَغُلَاتُهُمْ يَقُولُونَ : لَا حَيَّ وَلَا مَيِّتَ وَلَا عَالِمَ وَلَا جَاهِلَ وَلَا سَمِيعَ وَلَا أَصَمَّ وَلَا مُتَكَلِّمَ وَلَا أَخْرَسَ بَلْ قَدْ يَقُولُونَ لَا مَوْجُودَ وَلَا مَعْدُومَ وَلَا هُوَ شَيْءٌ وَلَا لَيْسَ بِشَيْءِ .
وَآخَرُونَ يَقُولُونَ : لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ وَلَا مُبَايِنَ لِلْعَالَمِ وَلَا حَالَّ فِيهِ وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ الَّتِي يَنْفُونَ بِهَا الْأُمُورَ الْمُتَقَابِلَةَ الَّتِي لَا يُمْكِنُ انْتِفَاؤُهَا مَعاً كَمَا يَقُولُ مُحَقِّقُو هَؤُلَاءِ : إنَّهُ وُجُودٌ مُطْلَقٌ .
ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : هُوَ وُجُودٌ مُطْلَقٌ إمَّا بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ - كَمَا يَقُولُهُ " ابْنُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 516
مساهمون: ابن تيمية
ص٥١٦