تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
الْمَحَلُّ مَوْجُوداً - وَإِلَى مَا يَجُوزُ أَنْ يُفَارِقَ مَحَلَّهُ فَالْأَوَّلُ كَالتَّحَيُّزِ لِلْجِسْمِ بَلْ وكالحيوانية والناطقية لِلْإِنْسَانِ فَإِنَّهُ مَا دَامَ إنْسَاناً لَا تُفَارِقُهُ هَذِهِ الصِّفَةُ . وَأَمَّا قَوْلُكُمْ : إنَّ الْعَرَضَ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ فَهَذَا شَيْءٌ انْفَرَدْتُمْ بِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْعُقَلَاءِ : وَكَابَرْتُمْ بِهِ الْحِسَّ لِتَنْجُوَا بالمغاليط عَنْ هَذِهِ الْإِلْزَامَاتِ الْمُفْحِمَةِ ثُمَّ إنَّكُمْ تَقُولُونَ بِتَجَدُّدِ أَمْثَالِهِ فَهَذَا هُوَ مَعْنَى بَقَاءِ الْعَرَضِ وَهَذَا كَمَا قُلْتُمْ إنَّهُ يُرَى بِلَا مُوَاجَهَةٍ وَلَا مُدَابَرَةٍ وَلَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الرَّائِي بِجِهَةِ مِنْ جِهَاتِهِ فَهَذَا أَيْضاً مِمَّا انْفَرَدْتُمْ بِهِ عَنْ الْعُقَلَاءِ وَكَابَرْتُمْ بِهِ الْحِسَّ وَالْعَقْلَ . قَالَتْ لَهُمْ الْنُّفَاةِ : فَأَثْبَتُّمْ مَا يَسْتَلْزِمُ التَّجْسِيمَ وَالتَّشْبِيهَ وَالْحَشْوَ أَوْ نَفَيْتُمْ التَّلَازُمَ فَخَالَفْتُمْ صَرِيحَ الْعَقْلِ وَالضَّرُورَةِ . وَلِهَذَا صَارَ حُذَّاقُكُمْ إلَى أَنَّكُمْ فِي الْحَقِيقَةِ مُوَافِقُونَ لَنَا عَلَى نَفْيِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَكِنْ أَظْهَرْتُمْ إثْبَاتَهَا لِكَوْنِهِ الْمَشْهُورَ عِنْدَ " الْحَشْوِيَّةِ " الْمَشْهُورِينَ بِالسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ؛ لِيُقَالَ : إنَّكُمْ مِنْهُمْ أَوْ أَثْبَتُّمْ ذَلِكَ تَنَاقُضاً مِنْكُمْ فَأَنْتُمْ دَائِرُونَ بَيْنَ الْمُنَاقَضَةِ وَالْمُدَاهَنَةِ . فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِمَّنْ يُوَافِقُ نفاة الصِّفَاتِ وَيُثْبِتُ أَسْمَاءَ اللَّهِ الْحُسْنَى - كَمَا تَفْعَلُ الْمُعْتَزِلَةُ وَهُمْ أَئِمَّةُ الْكَلَامِ - سَمَّاهُ نفاة أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى مُشَبِّهاً حَشْوِيّاً مُجَسِّماً : كَمَا فَعَلَتْ الْقَرَامِطَةُ الْحَاكِمِيَّةُ الْبَاطِنِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ وَقَالُوا : إذَا قُلْتُمْ إنَّهُ مَوْجُودٌ عَلِيمٌ حَيٌّ قَدِيرٌ فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ بِالتَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ وَالْحَشْوِ فَإِنَّ ذَلِكَ مُشَابَهَةٌ لِغَيْرِهِ مِن المَخْلُوقَاتِ وَلِأَنَّهُ لَا يُعْقَلُ مَوْجُودٌ حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ إلَّا جِسْماً وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ تَسْتَلْزِمُ الصِّفَاتِ . وَالصِّفَاتُ تَسْتَلْزِمُ التَّجْسِيمَ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 41 | ابن تيمية