تَعَالَى : { وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ } وَمِنْ هَذَا تَسْمِيَةُ اللَّيْلِ ظُلْمَةً وَالنَّهَارِ نُوراً فَإِنَّهُمَا عَرَضَانِ وَقَدْ قِيلَ : هَمَّا جَوْهَرَانِ ؛ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ ذَلِكَ .
فَتَبَيَّنَ أَنَّ اسْمَ النُّورِ يَتَنَاوَلُ هَذَيْنِ وَالْمُعْتَرِضُ ذَكَرَ أَوَّلاً حَدَّ " الْعَرَضِ " وَذَكَرَ ثَانِياً حَدَّ " الْجِسْمِ " فَتَنَاقَضَ وَكَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِي وَلَمْ يَهْتَدِ لِوَجْهِ الْجَمْعِ .
وَكَذَلِكَ اسْمُ " الْحَقِّ " يَقَعُ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى صِفَاتِهِ الْقُدْسِيَّةِ كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنْتَ الْحَقُّ وَقَوْلُك الْحَقُّ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ } .
وَأَمَّا قَوْل الْمُعْتَرِضِ : النُّورُ ضِدُّ الظُّلْمَةِ وَجَلَّ الْحَقُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ ضِدٌّ .
فَيُقَالُ لَهُ : لَمْ تَفْهَمْ مَعْنَى الضِّدِّ الْمَنْفِيِّ عَنْ اللَّهِ ؛ فَإِنَّ " الضِّدَّ " يُرَادُ بِهِ مَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْآخَرِ كَمَا يُقَالُ فِي الْأَعْرَاضِ الْمُتَضَادَّةِ مِثْلِ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ .
وَيَقُولُ النَّاسُ : الضِّدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ وَيَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ ؛ وَهَذَا التَّضَادُّ عِنْدَ كَثِيرٍ مِن النَّاسِ لَا يَكُونُ إلَّا فِي " الْأَعْرَاضِ " وَأَمَّا " الْأَعْيَانُ " فَلَا تَضَادَّ فِيهَا ؛ فَيَمْتَنِعُ عِنْدَ هَذَا أَنْ يُقَالَ : لِلَّهِ ضِدٌّ أَوْ لَيْسَ لَهُ ضِدٌّ ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يُتَصَوَّرُ التَّضَادُّ فِيهَا وَاَللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ لَهُ ضِدٌّ يَمْنَعُ ثُبُوتَهُ وَوُجُودَهُ بِلَا رَيْبٍ ؛ بَلْ هُوَ الْقَاهِرُ الْغَالِبُ الَّذِي لَا يُغْلَبُ .
وَقَدْ يُرَادُ " بِالضِّدِّ " الْمُعَارِضُ لِأَمْرِهِ وَحُكْمِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَانِعاً مِنْ وُجُودِ ذَاتِهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 384
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٨٤