وَقَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ لِأَبِي بَكْرٍ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ : لَوْلَا يَدٌ لَك عِنْدِي لَمْ أَجْزِك بِهَا لَأَجَبْتُك .
وَقَدْ تَكُونُ الْيَدُ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مُسَبِّبِهِ ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ هِيَ تُحَرِّكُ الْيَدَ يَقُولُونَ : فُلَانٌ لَهُ يَدٌ فِي كَذَا وَكَذَا ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ " زِيَادٍ " لِمُعَاوِيَةَ : إنِّي قَدْ أَمْسَكْت الْعِرَاقَ بِإِحْدَى يَدَيَّ وَيَدِي الْأُخْرَى فَارِغَةٌ يُرِيدُ نِصْفُ قُدْرَتِي ضَبْطُ أَمْرِ الْعِرَاقِ .
وَمِنْهُ قَوْلُهُ : { بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ } وَالنِّكَاحُ كَلَامٌ يُقَالُ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُقْتَدِرٌ عَلَيْهِ .
وَقَدْ يَجْعَلُونَ إضَافَةَ الْفِعْلِ إلَيْهَا إضَافَةَ الْفِعْلِ إلَى الشَّخْصِ نَفْسِهِ لِأَنَّ غَالِبَ الْأَفْعَالِ لَمَّا كَانَتْ بِالْيَدِ جُعِلَ ذِكْرُ الْيَدِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ فُعِلَ بِنَفْسِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ } - إلَى قَوْلِهِ - { ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } أَيْ : بِمَا قَدَّمْتُمْ ؛ فَإِنَّ بَعْضَ مَا قَدَّمُوهُ كَلَامٌ تَكَلَّمُوا بِهِ .
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى { وَلَوْ تَرَى إذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ } - إلَى قَوْلِهِ - { ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } وَالْعَرَبُ تَقُولُ : يَدَاك أَوْكَتَا .
وَفُوك نُفِخَ : تَوْبِيخاً لِكُلِّ مَنْ جَرَّ عَلَى نَفْسِهِ جَرِيرَةً ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ مَا قِيلَ هَذَا لِمَنْ فَعَلَ بِيَدَيْهِ وَفَمِهِ .
( قُلْت لَهُ : وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ لُغَةَ الْعَرَبِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ فِي هَذَا كُلِّهِ والمتأولون لِلصِّفَاتِ الَّذِينَ حَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَأَلْحَدُوا فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ تَأَوَّلُوا قَوْلَهُ : { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } وَقَوْلَهُ : { لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } عَلَى هَذَا
مجموعة الفتاوى — صفحة 364
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٦٤