تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
وَأَيْضاً : فَالْكَلَامُ الْقَدِيمُ " النَّفْسَانِيُّ " الَّذِي أَثْبَتُّمُوهُ لَمْ تُثْبِتُوا مَا هُوَ ؟ بَلْ وَلَا تَصَوَّرْتُمُوهُ وَإِثْبَاتُ الشَّيْءِ فَرْعُ تَصَوُّرِهِ فَمَنْ لَمْ يَتَصَوَّرْ مَا يُثْبِتُهُ كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُثْبِتَهُ ؟ وَلِهَذَا كَانَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ كُلَّابٍ - رَأْسُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ وَإِمَامُهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ - لَا يَذْكُرُ فِي بَيَانِهَا شَيْئاً يُعْقَلُ بَلْ يَقُولُ : هُوَ مَعْنًى يُنَاقِضُ السُّكُوتَ وَالْخَرَسَ . وَالسُّكُوتُ وَالْخَرَسُ إنَّمَا يُتَصَوَّرَانِ إذَا تُصَوِّرُ الْكَلَامُ ؛ فَالسَّاكِتُ هُوَ السَّاكِتُ عَنْ الْكَلَامِ وَالْأَخْرَسُ هُوَ الْعَاجِزُ عَنْهُ أَوْ الَّذِي حَصَلَتْ لَهُ آفَةٌ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ تَمْنَعُهُ عَنْ الْكَلَامِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَعْرِفُ السَّاكِتَ وَالْأَخْرَسَ حَتَّى يَعْرِفَ الْكَلَامَ وَلَا يَعْرِفُ الْكَلَامَ حَتَّى يَعْرِفَ السَّاكِتَ وَالْأَخْرَسَ . فَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَصَوَّرُوا مَا قَالُوهُ وَلَمْ يُثْبِتُوهُ ؛ بَلْ هُمْ فِي الْكَلَامِ يُشْبِهُونَ النَّصَارَى فِي الْكَلِمَةِ وَمَا قَالُوهُ فِي " الْأَقَانِيمِ " وَالتَّثْلِيثِ " وَالِاتِّحَادِ " فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَتَصَوَّرُونَهُ وَلَا يُبَيِّنُونَهُ وَ " الرُّسُلُ " عَلَيْهِمْ السَّلَامُ إذَا أَخْبَرُوا بِشَيْءِ وَلَمْ نَتَصَوَّرْهُ وَجَبَ تَصْدِيقُهُمْ . وَأَمَّا مَا يَثْبُتُ بِالْعَقْلِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَصَوَّرَهُ الْقَائِلُ بِهِ وَإِلَّا كَانَ قَدْ تَكَلَّمَ بِلَا عِلْمٍ فَالنَّصَارَى تَتَكَلَّمُ بِلَا عِلْمٍ ؛ فَكَانَ كَلَامُهُمْ مُتَنَاقِضاً وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ قَوْلٌ مَعْقُولٌ ؛ كَذَلِكَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي كَلَامِ اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ كَانَ كَلَامُهُ مُتَنَاقِضاً وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ قَوْلٌ يُعْقَلُ ؛ وَلِهَذَا كَانَ مِمَّا يُشَنَّعُ بِهِ عَلَى هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ احْتَجُّوا فِي أَصْلِ دِينِهِمْ وَمَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الْكَلَامِ - كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ جَمِيعِ الْخَلْقِ - بِقَوْلِ شَاعِرٍ نَصْرَانِيٍّ يُقَالُ لَهُ الْأَخْطَلُ :
إنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا * جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلاً
مجموعة الفتاوى — صفحة 296 | ابن تيمية