نَافِعٌ فِي كُلِّ عِلْمٍ خَبَرِيٍّ أَوْ إنْشَائِيٍّ وَفِي كُلِّ اسْتِدْلَالٍ أَوْ مُعَارَضَةٍ : مِن الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَفِي سَائِرِ أَدِلَّةِ الْخَلْقِ .
فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَتَقَرَّبَ مِنْ رَبِّهِ وَأَنْ يُقَرِّبَ مِنْهُ رَبَّهُ بِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ أَوْ بِكِلَيْهِمَا ؛ لَمْ يَمْتَنِعْ حَمْلُ النَّصِّ عَلَى ذَلِكَ إذَا كَانَ دَالّاً عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَالّاً عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ حَمْلُهُ وَإِنْ احْتَمَلَ هَذَا الْمَعْنَى وَهَذَا الْمَعْنَى وَقْفٌ .
فَجَوَازُ إرَادَةِ الْمَعْنَى فِي الْجُمْلَةِ غَيْرُ كَوْنِهِ هُوَ الْمُرَادُ بِكُلِّ نَصٍّ .
وَأَمَّا قُرْبُهُ اللَّازِمُ مِنْ عِبَادِهِ : بِعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَتَدْبِيرِهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ .
وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي قُرْبِهِ بِنَفْسِهِ قُرْباً لَازِماً وَعُرِفَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ : مِنْ قُرْبِهِ الْعَارِضِ وَاللَّازِمِ ؛ فَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } مِن النَّاسِ طَوَائِفُ عِنْدَهُمْ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يحوجها إلَى التَّأْوِيلِ .
ثُمَّ أَقُولُ هَذِهِ الْآيَةُ لَا تَخْلُو إمَّا أَنْ يُرَادَ بِهَا قُرْبُهُ سُبْحَانَهُ ؛ أَوْ قُرْبُ مَلَائِكَتِهِ ؛ كَمَا قَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ أُرِيدَ بِهَا قُرْبُ الْمَلَائِكَةِ فَقَوْلُهُ : { إذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ } فَيَكُونُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ بِعِلْمِهِ هُوَ سُبْحَانَهُ بِمَا فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ وَأَخْبَرَ بِقُرْبِ الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ مِنْهُ .
وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إذْ يَتَلَقَّى } فَفُسِّرَ ذَلِكَ بِالْقُرْبِ الَّذِي هُوَ حِينَ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ وَبِأَيِّ مَعْنًى فُسِّرَ ؛ فَإِنَّ عِلْمَهُ وَقُدْرَتَهُ عَامُّ التَّعَلُّقِ وَكَذَلِكَ نَفْسُهُ سُبْحَانَهُ لَا يَخْتَصُّ بِهَذَا الْوَقْتِ وَتَكُونُ هَذِهِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 19
مساهمون: ابن تيمية
ص١٩