وَهَذَا هُوَ الَّذِي تَقُومُ عَلَى نَفْيِهِ وَتَنْزِيهِ الرَّبِّ عَنْهُ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ وَالْعَقْلِيَّةُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ الْأَعْلَى وَقَالَ : { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } .
فَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْعُلُوِّ لَا يَقْتَضِي عُلُوَّ ذَاتِهِ فَوْقَ الْعَرْشِ ؛ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْعَرْشِ .
وَحِينَئِذٍ فَلَفْظُ النُّزُولِ وَنَحْوِهِ يُتَأَوَّلُ قَطْعاً إذْ لَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ يُتَصَوَّر مِنْهُ النُّزُولُ .
وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْعُلُوِّ يَقْتَضِي عُلُوَّ ذَاتِهِ فَوْقَ الْعَرْشِ فَهُوَ سُبْحَانَهُ الْأَعْلَى مَنْ كُلِّ شَيْءٍ كَمَا أَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ .
فَلَوْ صَارَ تَحْتَ شَيْءٍ مِن العَالَمِ لَكَانَ بَعْضُ مَخْلُوقَاتِهِ أَعْلَى مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ هُوَ الْأَعْلَى وَهَذَا خِلَافُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ .
وَأَيْضاً فَقَدْ أَخْبَرَ : أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ اسْتِوَاؤُهُ عَلَى الْعَرْشِ يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ ؛ لَمْ يَكُنْ الِاسْتِوَاءُ مَعْلُوماً وَجَازَ حِينَئِذٍ أَلَّا يَكُونَ فَوْقَ الْعَرْشِ شَيْءٌ ؛ فَيَلْزَمُ تَأْوِيلُ النُّزُولِ وَغَيْرِهِ .
وَإِنْ كَانَ يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ فَيَلْزَمُ اسْتِوَاؤُهُ عَلَى الْعَرْشِ وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ اسْتَوَى عَلَيْهِ لَمَّا خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَأَخْبَرَ بِذَلِكَ عِنْدَ إنْزَالِ الْقُرْآنِ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأُلُوفِ مِن السِّنِينَ وَدَلَّ
مجموعة الفتاوى — صفحة 579
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٧٩