الآمدي .
وَلَوْ جَمَعَ مَا تبرهن فِي الْعَقْلِ الصَّرِيحِ مِنْ كَلَامِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ لَوَجَدَ جَمِيعَهُ مُوَافِقاً لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَجَدَ صَرِيحَ الْمَعْقُولِ مُطَابِقاً لِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ .
لَكِنْ لَمْ يَعْرِفْ هَؤُلَاءِ حَقِيقَةَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَحَصَلَ اضْطِرَابٌ فِي الْمَعْقُولِ بِهِ ؛ فَحَصَلَ نَقْصٌ فِي مَعْرِفَةِ السَّمْعِ وَالْعَقْلِ وَإِنْ كَانَ هَذَا النَّقْصُ هُوَ مُنْتَهَى قُدْرَةِ صَاحِبِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى إزَالَتِهِ فَالْعَجْزُ يَكُونُ عُذْراً لِلْإِنْسَانِ فِي أَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُهُ إذَا اجْتَهَدَ الِاجْتِهَادَ التَّامَّ .
هَذَا عَلَى قَوْلِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ فِي أَنَّ مَنْ اتَّقَى اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ إذَا عَجَزَ عَنْ مَعْرِفَةِ بَعْضِ الْحَقِّ لَمْ يُعَذَّبْ بِهِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ مِن الجَهْمِيَّة وَنَحْوِهِمْ : إنَّهُ قَدْ يُعَذِّبُ الْعَاجِزِينَ وَمَنْ قَالَ مِن المُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ مِن القَدَرِيَّةِ : إنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ الْحَقَّ وَإِنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ فَلِتَفْرِيطِهِ لَا لِعَجْزِهِ فَهُمَا قَوْلَانِ ضَعِيفَانِ وَبِسَبَبِهِمَا صَارَتْ الطَّوَائِفُ الْمُخْتَلِفَةُ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ يُكَفِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَيَلْعَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً .
فَيُقَالُ " لِأَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ " مِمَّنْ رَأَى دَوَامَ الْفَاعِلِيَّةِ وَلَوَازِمَهَا : الْعَقْلُ الصَّرِيحُ لَا يَدُلُّ عَلَى قِدَمِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ مِن العَالَمِ : لَا فَلَكَ وَلَا غَيْرَهُ ؛ وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّبَّ لَمْ يَزَلْ فَاعِلاً .
وَحِينَئِذٍ فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَخْلُقُ شَيْئاً بَعْدَ شَيْءٍ كَانَ كُلُّ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقاً مُحْدَثاً مَسْبُوقاً بِالْعَدَمِ وَلَمْ يَكُنْ مِن العَالَمِ شَيْءٌ قَدِيمٌ وَهَذَا التَّقْدِيرُ لَيْسَ مَعَكُمْ مَا يُبْطِلُهُ فَلِمَاذَا تَنْفُونَهُ وَنَفْسُ قَدْرِ الْفِعْلِ هُوَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 563
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٦٣