دَوَامِ فِعْلِ اللَّهِ وَهُوَ الَّذِي بَنَوْا عَلَيْهِ أُصُولَ دِينِهِمْ وَجَعَلُوا ذَلِكَ أَصْلَ دِينِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا : الْأَجْسَامُ لَا تَخْلُو مِن الحَوَادِثِ وَمَا لَا يَخْلُو عَنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ أَوْ مَا لَا يَسْبِقُ الْحَوَادِثَ فَهُوَ حَادِثٌ لِأَنَّ مَا لَا يَخْلُو عَنْهَا وَلَا يَسْبِقُهَا يَكُونُ مَعَهَا أَوْ بَعْدَهَا وَمَا كَانَ مَعَ الْحَوَادِثِ أَوْ بَعْدَهَا فَهُوَ حَادِثٌ .
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ لَا يَذْكُرُ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلاً لِكَوْنِ ذَلِكَ ظَاهِراً إذْ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ نَوْعِ الْحَوَادِثِ وَبَيْنَ الْحَادِثِ الْمُعَيَّنِ .
لَكِنَّ مَنْ تَفَطَّنَ مِنْهُمْ لِلْفَرْقِ فَإِنَّهُ يَذْكُرُ دَلِيلاً عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ : الْحَوَادِثُ لَا تَدُومُ بَلْ يَمْتَنِعُ وُجُودُ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْنَعُ أَيْضاً وُجُودُ حَوَادِثَ لَا آخِرَ لَهَا كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ إمَامَا هَذَا الْكَلَامِ : الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَأَبُو الهذيل : وَلَمَّا كَانَ حَقِيقَةُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَكُنْ قَادِراً عَلَى الْفِعْلِ فِي الْأَزَلِ ؛ بَلْ صَارَ قَادِراً عَلَى الْفِعْلِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ قَادِراً عَلَيْهِ ؛ كَانَ هَذَا مِمَّا أَنْكَرَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هَؤُلَاءِ حَتَّى إنَّهُ كَانَ مِن البِدَعِ الَّتِي ذَكَرُوهَا : مِنْ بِدَعِ الْأَشْعَرِيِّ فِي الْفِتْنَةِ الَّتِي جَرَتْ بِخُرَاسَانَ لَمَّا أَظْهَرُوا لَعْنَةَ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ .
ثُمَّ إنَّ أَهْلَ الْكَلَامِ وَأَئِمَّتَهُمْ كَالنَّظَّامِ وَالْعَلَّافِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ شُيُوخِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّة وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ مِنْ سَائِرِ الطَّوَائِفِ يَقُولُونَ : إنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ إنَّمَا يَقُومُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ وَأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا بِهَذَا
مجموعة الفتاوى — صفحة 541
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٤١