وَإِتْعَابُ أَذْهَانِهِمْ وَعُقُولِهِمْ فِي أَنْ يَصْرِفُوا كَلَامَهُ عَنْ مَدْلُولِهِ وَمُقْتَضَاهُ وَيَعْرِفُ الْحَقَّ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ وَهَذَا قَوْلُ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ دَخَلَ مَعَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ .
وَاَلَّذِينَ قَصَدْنَا الرَّدَّ فِي هَذِهِ الْفُتْيَا عَلَيْهِمْ : هُمْ هَؤُلَاءِ ؛ إذْ كَانَ نُفُورُ النَّاسِ عَنْ الْأَوَّلِينَ مَشْهُوراً بِخِلَافِ هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُمْ تَظَاهَرُوا بِنَصْرِ السُّنَّةِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ وَهُمْ - فِي الْحَقِيقَةِ - لَا لِلْإِسْلَامِ نَصَرُوا وَلَا لِلْفَلَاسِفَةِ كَسَرُوا ؛ لَكِنَّ أُولَئِكَ الْمَلَاحِدَةَ أَلْزَمُوهُمْ فِي النُّصُوصِ - نُصُوصِ الْمَعَادِ - نَظِيرَ مَا ادَّعُوهُ فِي نُصُوصِ الصِّفَاتِ .
فَقَالُوا لَهُمْ : نَحْنُ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الرُّسُلَ جَاءَتْ بِمَعَادِ الْأَبْدَانِ وَقَدْ عَلِمْنَا فَسَادَ الشُّبَهِ الْمَانِعَةِ مِنْهُ .
وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ لَهُمْ : وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الرُّسُلَ جَاءَتْ بِإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ .
وَنُصُوصُ الصِّفَاتِ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ : أَكْثَرُ وَأَعْظَمُ مِنْ نُصُوصِ الْمَعَادِ .
وَيَقُولُونَ لَهُمْ : مَعْلُومٌ أَنَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ كَانُوا يُنْكِرُونَ الْمَعَادَ وَقَدْ أَنْكَرُوهُ عَلَى الرَّسُولِ وَنَاظَرُوهُ عَلَيْهِ ؛ بِخِلَافِ الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ شَيْئاً مِنْهَا أَحَدٌ مِن العَرَبِ .
فَعُلِمَ أَنَّ إقْرَارَ الْعُقُولِ بِالصِّفَاتِ : أَعْظَمُ مِنْ إقْرَارِهَا بِالْمَعَادِ وَأَنَّ إنْكَارَ الْمَعَادِ أَعْظَمُ مِنْ إنْكَارِ الصِّفَاتِ فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ هَذَا أَنْ يَكُونَ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِن الصِّفَاتِ لَيْسَ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ وَمَا أَخْبَرَ بِهِ مِن المَعَادِ هُوَ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 33
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٣