فَقَوْلُ الْقَائِلِ : إنَّ التَّفْتِيشَ يُخْرِجُ مِن المَحْسُوسِ مَا هُوَ مَعْقُولٌ : إنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ مَعْقُولٌ ثَابِتٌ فِي الْعَقْلِ فَمَا هُوَ ثَابِتٌ فِي الْعَقْلِ لَيْسَ هُوَ الْمَوْجُودَ فِي الْخَارِجِ بِعَيْنِهِ .
وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ فِي الْمَحْسُوسِ الْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ أَمْراً مَعْقُولاً لَيْسَ هُوَ فِي الذِّهْنِ فَهَذَا بَاطِلٌ ؛ فَلَيْسَ فِي الْإِنْسَانِ الْمُعَيَّنِ إلَّا مَا هُوَ مُعَيَّنٌ وَهُوَ هَذَا الْإِنْسَانُ الْمُعَيَّنُ - بَدَنُهُ وَرُوحُهُ وَصِفَاتُهُ - وَهَذَا كُلُّهُ أَمْرٌ مُعَيَّنٌ ؛ مُقَيَّدٌ مُشَخَّصٌ لَيْسَ هُوَ كُلِّيّاً وَلَا مُطْلَقاً .
وَمَا ذَكَرَهُ مَعَ إثْبَاتِ الْمُتَبَايِنِينَ - عُقُولاً وَنُفُوساً - لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ لَيْسَ بِحُجَّةِ بَلْ هُمْ مخصومون بِهَذِهِ الْحُجَّةِ وَغَيْرِهَا كَمَا يُخْصَمُ بِهَا نُظَرَاؤُهُمْ ؛ لَا سِيَّمَا وَقَوْلُهُمْ بِذَلِكَ أَبْيَنُ فَسَاداً وَأَدْحَضُ حُجَّةً مِنْ أَقْوَالِ نفاة الصِّفَاتِ وَالْعُلُوِّ فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَى الْقَوْلِ بِمَا هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ وَأَبْعَدُ عَنْ الْحَقِّ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ عَامَّةَ الْعُقَلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ وَغَيْرِهِمْ يَرُدُّونَ هَذَا عَلَيْهِمْ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : إنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا بِذَلِكَ قَائِلِينَ مَا يُعْلَمُ فَسَادُهُ بِالضَّرُورَةِ ؛ فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ؛ بَلْ الْمُثْبِتَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ : إنَّ الْمَوْجُودَيْنِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَا مُتَبَايِنَيْنِ أَوْ متحايثين يَقُولُونَ : إنَّ مَا ادَّعَاهُ هَؤُلَاءِ مِمَّا يُخَالِفُ هَذَا مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ .
بَلْ أَئِمَّةُ " أَهْلِ الْكَلَامِ " النَّافُونَ لِلْعُلُوِّ يَدَّعُونَ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ : بِأَنَّ الْمُمْكِنَ إمَّا جِسْمٌ أَوْ قَائِمٌ بِجِسْمِ وَإِنَّمَا أَثْبَتَهُ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ مِنْ مَوْجُودَاتٍ
مجموعة الفتاوى — صفحة 293
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٩٣