يُوَضِّحُ ذَلِكَ : أَنَّ الْمُعَارِضَ غَايَتُهُ أَنْ يَقُولَ : لَوْ كَانَ خَارِجَ الْعَالَمِ لَكَانَ جِسْماً أَوْ لَكَانَ مُتَحَيِّزاً وَذَلِكَ مُنْتَفٍ فَلَا يَكُونُ خَارِجَ الْعَالَمِ ؛ وَالدَّلِيلُ الَّذِي يَنْفُونَ بِهِ ذَلِكَ : مُقَدِّمَاتُهُ فِيهَا مِن الخَفَاءِ وَالِاشْتِبَاهِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ نَظَرَ فِي ذَلِكَ .
وَبِسَبَبِ مَا فِيهَا مِن الخَفَاءِ وَالِاشْتِبَاهِ أَحْسَنَ الظَّنَّ بِهَا كَثِيرٌ مِن النَّاسِ وَحُسْنُ ظَنِّهِمْ بِهَا مُسْتَنِدٌ إلَى تَقْلِيدِ مَنْ قَالَهَا ؛ لَا إلَى جَزْمِ عُقُولِهِمْ بِهَا ؛ فَهُمْ يَنْهَوْنَ الْعَامَّةَ عَنْ تَقْلِيدِ الرُّسُلِ فِيمَا أَخْبَرَتْ بِهِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِزَعْمِهِمْ أَنَّ الْعَقْلَ عَارَضَهَا ؛ مَعَ الْجَزْمِ بِأَنَّ الرُّسُلَ لَا تَقُولُ إلَّا حَقّاً .
وَهُمْ يُقَلِّدُونَ رُؤُوسَهُمْ فِي مُعَارَضَةِ ذَلِكَ بِمُقَدِّمَاتِ يَزْعُمُونَهَا عَقْلِيَّاتٍ وَأَتْبَاعُهُمْ لَمْ تَجْزِمْ بِهَا عُقُولُهُمْ لَكِنَّهُمْ يُقَلِّدُونَ رُؤُوسَهُمْ فِيهَا .
وَلِهَذَا تَجِدُهُمْ إذَا حَقَّقُوا الْأَمْرَ فِيهَا وَنُوزِعُوا فِيهَا وَبُيِّنَ لَهُمْ مُسْتَنَدُ الْمَنْعِ فِيهَا لَجَئُوا إلَى الْجَهْلِ الصَّرِيحِ فَإِمَّا أَنْ يُحِيلُوا بِالْجَوَابِ عَلَى مَنْ مَاتَ وَغَابَ - وَهُوَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ أوغل مِنْهُمْ فِي الِارْتِيَابِ وَالِاضْطِرَابِ - وَإِمَّا أَنْ يَخْرُجُوا عَمَّا يَجِبُ فِي الْمُنَاظَرَةِ وَالْجِدَالِ إلَى حَالِ أَهْلِ الظُّلْمِ وَسُفَهَاءِ الرِّجَالِ .
وَإِمَّا أَنْ يَتَوَهَّمُوا أَنَّ هَذَا كُفْرٌ يُخَالِفُ الدِّينَ .
وَهُمْ فِي قَوْلِهِمْ قَدْ خَالَفُوا الْكِتَابَ وَالرَّسُولَ وَاتَّبَعُوا غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَقَالُوا مَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَلَا غَيْرُهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ .
وَمِمَّا يُوَضِّحُ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْنُّفَاةِ لَيْسَ لَهُمْ دَلِيلٌ وَاحِدٌ اتَّفَقُوا عَلَى
مجموعة الفتاوى — صفحة 289
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٨٩