وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَحَيِّزاً بَطَلَتْ دَلَائِلُ الْنُّفَاةِ لِكَوْنِهِ عَلَى الْعَرْشِ : كَقَوْلِهِمْ ؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ أَكْبَرَ مِن العَرْشِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَصْغَرَ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسَاوِياً لِلْعَرْشِ .
وَكَقَوْلِهِمْ : إذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ لَهُ مِقْدَارٌ مَخْصُوصٌ فَيَسْتَدْعِي مُخَصِّصاً وَنَحْوَ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّ الْمُثْبِتَةَ تَقُولُ لَهُمْ : هَذَا إنَّمَا يَلْزَمُ إذَا كَانَ جِسْماً مُتَحَيِّزاً ؛ فَأَمَّا إذَا كَانَ فَوْقَ الْعَرْشِ وَلَمْ يَكُنْ جِسْماً مُتَحَيِّزاً لَمْ يَلْزَمْ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ اللَّوَازِمِ .
وَحِينَئِذٍ فنفاة الْعُلُوِّ هُمْ بَيْنَ أَمْرَيْنِ : إنْ سَلَّمُوا أَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمِ وَلَا مُتَحَيِّزٍ بَطَلَ كُلُّ دَلِيلٍ لَهُمْ عَلَى نَفْيِ عُلُوِّهِ عَلَى عَرْشِهِ ؛ فَإِنَّهُمْ إنَّمَا بَنَوْا ذَلِكَ عَلَى أَنَّ عُلُوَّهُ عَلَى الْعَرْشِ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِهِ جِسْماً مُتَحَيِّزاً وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ فَيَنْتَفِي الْمَلْزُومُ ؛ فَإِذَا لَمْ تَثْبُتْ الْمُلَازَمَةُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى النَّفْيِ وَلَا يَبْقَى لِلنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ - بِإِثْبَاتِ عُلُوِّهِ عَلَى الْعَالَمِ مَا يُعَارِضُهَا وَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ .
وَإِنْ قَالُوا : مَتَى قُلْتُمْ : عَلَى الْعَرْشِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُتَحَيِّزاً أَوْ جَوْهَراً مُنْفَرِداً وَإِثْبَاتُ الْعُلُوِّ عَلَى الْعَرْشِ مَعَ نَفْيِ التَّحَيُّزِ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ .
قِيلَ لَهُمْ : لَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَقْرَبُ إلَى الْمَعْقُولِ مِنْ إثْبَاتِ مَوْجُودٍ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ ؛ فَإِنَّا إذَا عَرَضْنَا عَلَى عُقُولِ الْعُقَلَاءِ قَوْلَ قَائِلَيْنِ : أَحَدُهُمَا يَقُولُ بِوُجُودِ مَوْجُودٍ خَارِجٍ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ وَآخَرُ يَقُولُ بِوُجُودِ مَوْجُودٍ خَارِجَ الْعَالَمِ وَلَيْسَ بِجِسْمِ كَانَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَبْعَدَ عَنْ الْمَعْقُولِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 285
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٨٥