تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
وَاعْتِرَاضُ الْمُنَازِعِ عَلَى هَذَا يَكُونُ بَعْدَ بَيَانِ مَعْنَى الْمُبَايَنَةِ ؛ فَإِنَّ أَهْلَ الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ يُطْلِقُونَ الْمُبَايَنَةَ بِإِزَاءِ " ثَلَاثَةِ " مَعَانٍ ؛ بَلْ " أَرْبَعَةٌ " . أَحَدُهَا الْمُبَايَنَةُ الْمُقَابِلَةُ لِلْمُمَاثَلَةِ وَالْمُشَابَهَةِ وَالْمُقَارَبَةِ وَالثَّانِي : الْمُبَايَنَةُ الْمُقَابِلَةُ للمحايثة وَالْمُجَامَعَةِ وَالْمُدَاخَلَةِ وَالْمُخَارَجَةِ وَالْمُخَالَطَةِ . وَالثَّالِثُ الْمُبَايَنَةُ الْمُقَابِلَةُ لِلْمُمَاسَّةِ وَالْمُلَاصَقَةِ ؛ فَهَذِهِ الْمُبَايَنَةُ أَخَصُّ مِن التِي قَبْلَهَا ؛ فَإِنَّ مَا بَايَنَ الشَّيْءَ فَلَمْ يُدَاخِلْهُ قَدْ يَكُونُ مُمَاسّاً لَهُ مُتَّصِلاً بِهِ وَقَدْ يَكُونُ مُنْفَصِلاً عَنْهُ غَيْرَ مُجَاوِرٍ لَهُ هَذِهِ الْمُبَايَنَةُ الثَّالِثَةُ وَمُقَابِلُهَا تُسْتَعْمَلُ فِيمَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ خَاصَّةً : كَالْأَجْسَامِ فَيُقَالُ : هَذِهِ الْعَيْنُ إمَّا أَنْ تَكُونَ مُمَاسَّةً لِهَذِهِ وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مُبَايِنَةً . وَأَمَّا الْمُبَايِنَةُ الَّتِي قَبْلَهَا وَمَا يُقَابِلُهَا فَإِنَّهَا تَعُمُّ مَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ وَمَا يَقُومُ بِغَيْرِهِ وَالْعَرَضُ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ لَيْسَ مُبَايِناً لَهُ . وَلَا يُقَالُ : إنَّهُ مُمَاسٌّ لَهُ فَيُقَالُ : هَذَا اللَّوْنُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُبَايِناً لِهَذِهِ الْعَيْنِ أَوْ لِهَذَا الطَّعْمِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ محايثاً لَهُ مُجَامِعاً مُدَاخِلاً وَنَحْوَ ذَلِكَ مِن العِبَارَاتِ ؛ وَإِنْ اسْتَعْمَلَ مُسْتَعْمِلٌ لَفْظَ الْمُمَاسَّةِ وَالْمُلَاصَقَةِ فِي قِيَامِ الصِّفَةِ بِمَوْصُوفِهَا كَانَ ذَلِكَ نِزَاعاً لَفْظِيّاً . وَأَمَّا النَّوْعُ الْأَوَّلُ فَكَمَا يُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْنَاهُمْ مُتَقَارِبِينَ فِي الْعَافِيَةِ فَإِذَا جَاءَ الْبَلَاءُ تَبَايَنُوا تَبَايُناً عَظِيماً أَيْ تَفَاضَلُوا وَتَفَاوَتُوا . وَيُقَالُ : هَذَا قَدْ بَانَ عَنْ نُظَرَائِهِ أَيْ خَرَجَ عَنْ مُمَاثَلَتِهِمْ وَمُشَابَهَتِهِمْ وَمُقَارَبَتِهِمْ بِمَا امْتَازَ بِهِ مِن الفَضَائِلِ . وَيُقَالُ : بَيْنَ هَذَا وَهَذَا بَوْنٌ بَعِيدٌ وَبَيْنٌ بَعِيدٌ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 279 | ابن تيمية