تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
تَقَرَّبْت إلَيْهِ بَاعاً وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْته هَرْوَلَةً } فَقُرْبُ الشَّيْءِ مِن الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِقُرْبِ الْآخَرِ مِنْهُ لَكِنْ قَدْ يَكُونُ قُرْبُ الثَّانِي هُوَ اللَّازِمَ مِنْ قُرْبِ الْأَوَّلِ وَيَكُونُ مِنْهُ أَيْضاً قُرْبٌ بِنَفْسِهِ فَالْأَوَّلُ كَمَنْ تَقَرَّبَ إلَى مَكَّةَ أَوْ حَائِطِ الْكَعْبَةِ فَكُلَّمَا قَرُبَ مِنْهُ قَرُبَ الْآخَرُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ فِعْلٌ وَالثَّانِي كَقُرْبِ الْإِنْسَانِ إلَى مَنْ يَتَقَرَّبُ هُوَ إلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْأَثَرِ الْإِلَهِيِّ فَتَقَرُّبُ الْعَبْدِ إلَى اللَّهِ وَتَقْرِيبُهُ لَهُ نَطَقَتْ بِهِ نُصُوصٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِثْلُ قَوْلِهِ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ } { فَأَمَّا إنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ } { عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ } { وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ } { وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ } { وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ } الْحَدِيثَ . وَفِي الْحَدِيثِ { أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الْآخِرِ } . وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَمَقَالَاتِ النَّاسِ فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي " جَوَابِ الْأَسْئِلَةِ الْمِصْرِيَّةِ عَلَى الْفُتْيَا الحموية " فَهَذَا قُرْبُ الرَّبِّ نَفْسِهِ إلَى عَبْدِهِ وَهُوَ مِثْلُ نُزُولِهِ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا . وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { إنَّ اللَّهَ يَدْنُو عَشِيَّةَ عَرَفَةَ } الْحَدِيثَ فَهَذَا الْقُرْبُ كُلُّهُ خَاصٌّ وَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَطُّ قُرْبُ ذَاتِهِ مِنْ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ فِي كُلِّ حَالٍ ؛ فَعُلِمَ بِذَلِكَ بُطْلَانُ قَوْلِ الْحُلُولِيَّةِ ؛ فَإِنَّهُمْ عَمَدُوا إلَى الْخَاصِّ الْمُقَيَّدِ فَجَعَلُوهُ عَامّاً مُطْلَقاً كَمَا جَعَلَ إخْوَانُهُمْ " الِاتِّحَادِيَّةُ " ذَلِكَ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ : { كُنْت سَمْعَهُ } وَفِي قَوْلِهِ : { فَيَأْتِيهِمْ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ } وَإِنَّ اللَّهَ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ : { سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ } .
مجموعة الفتاوى — صفحة 240 | ابن تيمية