وَهَذَا الصِّنْفُ الثَّالِثُ وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى التَّمَسُّكِ بِالنُّصُوصِ وَأَبْعَدَ عَنْ مُخَالَفَتِهَا مِن الصِّنْفَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ .
فَإِنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَتَّبِعْ شَيْئاً مِن النُّصُوصِ ؛ بَلْ خَالَفَهَا كُلَّهَا .
وَالثَّانِي تَرَكَ النُّصُوصَ الْكَثِيرَةَ الْمُحْكَمَةَ الْمُبَيَّنَةَ وَتَعَلَّقَ بِنُصُوصِ قَلِيلَةٍ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ مَعَانِيهَا .
وَأَمَّا هَذَا الصِّنْفُ فَيَقُولُ : أَنَا اتَّبَعَتْ النُّصُوصَ كُلَّهَا لَكِنَّهُ غالط أَيْضاً .
فَكُلُّ مَنْ قَالَ : إنَّ اللَّهَ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِمَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عِبَادَهُ وَلِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَلِلْأَدِلَّةِ الْكَثِيرَةِ .
وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ أَقْوَالاً مُتَنَاقِضَةً يَقُولُونَ : إنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ .
وَيَقُولُونَ : نَصِيبُ الْعَرْشِ مِنْهُ كَنَصِيبِ قَلْبِ الْعَارِفِ كَمَا يَذْكُرُ مِثْلَ ذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ وَغَيْرُهُ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَلْبَ الْعَارِفِ نَصِيبُهُ مِنْهُ الْمَعْرِفَةُ وَالْإِيمَانُ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ فَإِنْ قَالُوا : إنَّ الْعَرْشَ كَذَلِكَ نَقَضُوا قَوْلَهُمْ : إنَّهُ نَفْسُهُ فَوْقَ الْعَرْشِ .
وَإِنْ قَالُوا بِحُلُولِهِ بِذَاتِهِ فِي قُلُوبِ الْعَارِفِينَ كَانَ هَذَا قَوْلاً بِالْحُلُولِ الْخَالِصِ .
وَقَدْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ " الصُّوفِيَّةِ " حَتَّى صَاحِبُ " مَنَازِلِ السَّائِرِينَ " فِي تَوْحِيدِهِ الْمَذْكُورِ فِي آخِرِ الْمَنَازِلِ فِي مِثْلِ هَذَا الْحُلُولِ ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ الْقَوْمِ يُحَذِّرُونَ مِنْ مِثْلِ هَذَا .
سُئِلَ " الْجُنَيْد " عَنْ التَّوْحِيدِ فَقَالَ : هُوَ إفْرَادُ الْحُدُوثِ عَنْ الْقِدَمِ .
فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمُوَحِّدِ مِن التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْقَدِيمِ الْخَالِقِ وَالْمُحْدَثِ الْمَخْلُوقِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 230
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٣٠