فَعَلَ الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ حِينَ جَاءَ بِمَالِهِ كُلِّهِ ؛ وَلَمْ يَكُنْ مَعَ هَذَا يَأْخُذُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئاً .
وَقَالَ آخَرُ : " الظَّالِمُ لِنَفَسِهِ " الَّذِي يَصُومُ عَنْ الطَّعَامِ لَا عَنْ الْآثَامِ وَ " الْمُقْتَصِدُ " الَّذِي يَصُومُ عَنْ الطَّعَامِ وَالْآثَامِ وَ " السَّابِقُ " الَّذِي يَصُومُ عَنْ كُلِّ مَا لَا يُقَرِّبُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى - وَأَمْثَالُ ذَلِكَ - لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ مُتَنَافِيَةً بَلْ كُلٌّ ذَكَرَ نَوْعاً مِمَّا تَنَاوَلَتْهُ الْآيَةُ .
( الْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنْ يَذْكُرَ أَحَدُهُمْ لِنُزُولِ الْآيَةِ " سَبَباً " وَيَذْكُرَ الْآخَرُ " سَبَباً " آخَرَ - لَا يُنَافِي الْأَوَّلَ - وَمِن المُمْكِنِ نُزُولُهَا لِأَجْلِ السَّبَبَيْنِ جَمِيعاً أَوْ نُزُولُهَا مَرَّتَيْنِ : مَرَّةً لِهَذَا وَمَرَّةً لِهَذَا .
وَأَمَّا مَا صَحَّ عَنْ السَّلَفِ أَنَّهُمْ : اخْتَلَفُوا فِيهِ " اخْتِلَافَ تَنَاقُضٍ " فَهَذَا قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ كَمَا أَنَّ تَنَازُعَهُمْ فِي بَعْضِ مَسَائِلِ السُّنَّةِ - كَبَعْضِ مَسَائِلِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالْفَرَائِضِ وَالطَّلَاقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ - لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ هَذِهِ السُّنَنِ مَأْخُوذاً عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجُمَلُهَا مَنْقُولَةٌ عَنْهُ بِالتَّوَاتُرِ .
وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ؛ وَأَمَرَ أَزْوَاجَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِهِنَّ ( مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ) .
مجموعة الفتاوى — صفحة 162
مساهمون: ابن تيمية
ص١٦٢