الْقِبْلَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ يَسْتَقْبِلُونَ الرُّكْنَ الشَّامِيَّ وَيَسْتَدْبِرُونَ الْقُطْبَ الشَّامِيَّ مِنْ غَيْرِ انْحِرَافٍ إلَى ذَاتِ الْيَمِينِ كَأَهْلِ الْعِرَاقِ وَلَا إلَى ذَاتِ الشِّمَالِ : كَأَهْلِ الشَّامِ .
قَالُوا : فَإِذَا دَلَّتْ هَذِهِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّ الطَّائِفَةَ الْقَائِمَةَ بِالْحَقِّ مِنْ أُمَّتِهِ الَّتِي لَا يَضُرُّهَا خِلَافُ الْمُخَالِفِ وَلَا خِذْلَانُ الْخَاذِلِ هِيَ بِالشَّامِ كَانَ هَذَا مُعَارِضاً لِقَوْلِهِ : " { تَقْتُلُ عَمَّاراً الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ } وَلِقَوْلِهِ : " { تَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ } وَهَذَا مِنْ حُجَّةِ مَنْ يَجْعَلُ الْجَمِيعَ سَوَاءً وَالْجَمِيعَ مُصِيبِينَ أَوْ يُمْسِكُ عَنْ التَّرْجِيحِ وَهَذَا أَقْرَبُ .
وَقَدْ احْتَجَّ بِهِ مِنْ هَؤُلَاءِ عَلَى أُولَئِكَ لَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ مَرْغُوبٌ عَنْهُ وَهُوَ مِنْ أَقْوَالِ النَّوَاصِبِ فَهُوَ مُقَابَلٌ بِأَقْوَالِ الشِّيعَةِ وَالرَّوَافِضِ هَؤُلَاءِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَإِنَّمَا نَتَكَلَّمُ هُنَا مَعَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ .
وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذِهِ النُّصُوصَ لَا بُدَّ مِن الجَمْعِ بَيْنَهَا وَالتَّأْلِيفِ فَيُقَالُ : أَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { لَا يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ ظَاهِرِينَ } وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ظُهُورِ أَهْلِ الشَّامِ وَانْتِصَارِهِمْ فَهَكَذَا وَقَعَ وَهَذَا هُوَ الْأَمْرُ ؛ فَإِنَّهُمْ مَا زَالُوا ظَاهِرِينَ مُنْتَصِرِينَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ " { لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ } وَمَنْ هُوَ ظَاهِرٌ فَلَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ فِيهِ بَغْيٌ وَمَنْ غَيْرُهُ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْهُمْ بَلْ فِيهِمْ هَذَا وَهَذَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " { تَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ } فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَلِيّاً
مجموعة الفتاوى — صفحة 447
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٤٧