مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالرَّأْيِ الَّذِينَ صَنَّفُوا فِي قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ حَيْثُ أَوْجَبُوا الْقِتَالَ مَعَهُ ؛ لِوُجُوبِ طَاعَتِهِ وَوُجُوبِ قِتَالِ الْبُغَاةِ وَمَبْدَأُ تَرْتِيبِ ذَلِكَ مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ وَاتَّبَعَهُمْ آخَرُونَ .
وَمِنْ قَوْمٍ يَقُولُونَ : بَلْ الْمَشْرُوعُ تَرْكُ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ كَمَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ الْكَثِيرَةُ الْمَشْهُورَةُ كَمَا فَعَلَهُ مَنْ فَعَلَهُ مِن القَاعِدِينَ عَنْ الْقِتَالِ لِإِخْبَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { أَنَّ تَرْكَ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ خَيْرٌ } وَ " { أَنَّ الْفِرَارَ مِن الفِتَنِ بِاِتِّخَاذِ غَنَمٍ فِي رُؤُوسِ الْجِبَالِ خَيْرٌ مِن القِتَالِ فِيهَا } وَكَنَهْيِهِ لِمَنْ نَهَاهُ عَنْ الْقِتَالِ فِيهَا وَأَمَرَهُ بِاِتِّخَاذِ سَيْفٍ مِنْ خَشَبٍ وَلِكَوْنِ عَلِيٍّ لَمْ يَذُمَّ الْقَاعِدِينَ عَنْ الْقِتَالِ مَعَهُ بَلْ رُبَّمَا غَبَطَهُمْ فِي آخِرِ الْأَمْرِ .
وَلِأَجْلِ هَذِهِ النُّصُوصِ لَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا أَنَّ تُرْكَ عَلِيٍّ الْقِتَالَ كَانَ أَفْضَلَ ؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ صَرَّحَتْ بِأَنَّ الْقَاعِدَ فِيهَا خَيْرٌ مِن القَائِمِ وَالْبُعْدَ عَنْهَا خَيْرٌ مِن الوُقُوعِ فِيهَا قَالُوا : وَرُجْحَانُ الْعَمَلِ يَظْهَرُ بِرُجْحَانِ عَاقِبَتِهِ وَمِن المَعْلُومِ أَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَبْدَؤُوهُ بِقِتَالِ فَلَوْ لَمْ يُقَاتِلْهُمْ لَمْ يَقَعْ أَكْثَرُ مِمَّا وَوَقَعَ مِنْ خُرُوجِهِمْ عَنْ طَاعَتِهِ لَكِنْ بِالْقِتَالِ زَادَ الْبَلَاءُ وَسُفِكَتْ الدِّمَاءُ وَتَنَافَرَتْ الْقُلُوبُ وَخَرَجَتْ عَلَيْهِ الْخَوَارِجُ وَحُكِّمَ الْحَكَمَانِ حَتَّى سُمِّيَ مُنَازِعُهُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَظَهَرَ مِن المَفَاسِدِ مَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الْقِتَالِ وَلَمْ يَحْصُلْ بِهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ .
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَرْكَهُ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ فِعْلِهِ فَإِنَّ فَضَائِلَ الْأَعْمَالِ إنَّمَا هِيَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 441
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٤١