تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
بَعِيداً وَفِيهَا أَنْزَلَ اللَّهُ سُورَةَ بَرَاءَةٌ . وَكِتَابُ أَبِي بَكْرٍ فِي الصَّدَقَاتِ أَجْمَعُ الْكُتُبِ وَأَوْجَزُهَا وَلِهَذَا عَمِلَ بِهِ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ وَكِتَابُ غَيْرِهِ فِيهِ مَا هُوَ مُتَقَدِّمٌ مَنْسُوخٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ النَّاسِخَةِ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَيْضاً فَالصَّحَابَةُ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ لَمْ يَكُونُوا يَتَنَازَعُونَ فِي مَسْأَلَةٍ إلَّا فَصَلَهَا بَيْنَهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَارْتَفَعَ النِّزَاعُ فَلَا يُعْرَفُ بَيْنَهُمْ فِي زَمَانِهِ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ تَنَازَعُوا فِيهَا إلَّا ارْتَفَعَ النِّزَاعُ بَيْنَهُمْ بِسَبَبِهِ كَتَنَازُعِهِمْ فِي وَفَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَدْفِنِهِ وَفِي مِيرَاثِهِ وَفِي تَجْهِيزِ جَيْشِ أُسَامَةَ وَقِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ ؛ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن المَسَائِلِ الْكِبَارِ ؛ بَلْ كَانَ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ : يُعَلِّمُهُمْ ؛ وَيُقَوِّمُهُمْ وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَا تَزُولُ مَعَهُ الشُّبْهَةُ فَلَمْ يَكُونُوا مَعَهُ يَخْتَلِفُونَ . وَبَعْدَهُ لَمْ يَبْلُغْ عِلْمُ أَحَدٍ وَكَمَالُهُ عِلْمَ أَبِي بَكْرٍ وَكَمَالَهُ ؛ فَصَارُوا يَتَنَازَعُونَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ . كَمَا تَنَازَعُوا فِي الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ ؛ وَفِي الْحَرَامِ وَفِي الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ ؛ وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِن المَسَائِلِ الْمَعْرُوفَةِ : مِمَّا لَمْ يَكُونُوا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَكَانُوا يُخَالِفُونَ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيّاً : فِي كَثِيرٍ مِنْ أَقْوَالِهِمْ ؛ وَلَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُمْ خَالَفُوا أَبَا بَكْرٍ فِي شَيْءٍ مِمَّا كَانَ يُفْتِي فِيهِ وَيَقْضِي . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ الْعِلْمِ . وَقَامَ مَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقَامَ الْإِسْلَامَ ؛ فَلَمْ يُخِلَّ بِشَيْءِ مِنْهُ ؛ بَلْ أَدْخَلَ النَّاسَ مِن البَابِ الَّذِي خَرَجُوا مِنْهُ ؛ مَعَ كَثْرَةِ الْمُخَالِفِينَ مِن المُرْتَدِّينَ وَغَيْرِهِمْ وَكَثْرَةِ الْخَاذِلِينَ فَكَمُلَ بِهِ مِنْ عِلْمِهِمْ وَدِينِهِمْ مَا لَا يُقَاوِمُهُ فِيهِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 405 | ابن تيمية