فَيُقَالُ لَك : تَخْصِيصُ الْكَثِيرِ بِالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى مُخَالَفَةِ غَيْرِهِ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ وَأَيْضاً فَإِنَّ مَفْهُومَهُ : أَنَّهُمْ لَمْ يُفَضِّلُوا عَلَى مَا سِوَى الْكَثِيرِ فَإِذَا لَمْ يُفَضِّلُوا فَقَدْ يُسَاوُونَ بِهِمْ وَقَدْ يُفَضِّلُ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ الْأَحْوَالَ ثَلَاثَةٌ : إمَّا أَنْ يُفَضِّلُوا عَلَى مَنْ بَقِيَ أَوْ يُفَضِّلُ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُسَاوُونَ بِهِمْ .
قَالَ : وَاخْتِلَافُ الْحَقَائِقِ وَالذَّوَاتِ لَا بُدَّ أَنَّهَا تُؤَثِّرُ فِي اخْتِلَافِ الْأَحْكَامِ وَالصِّفَاتِ وَإِذَا اخْتَلَفَتْ حَقِيقَةُ الْبَشَرِ وَالْمَلَكِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَقِيقَتَيْنِ أَفْضَلَ فَإِنَّ كَوْنَهُمَا مُتَمَاثِلَتَيْنِ مُتَفَاضِلَتَيْنِ مُمْتَنِعٌ .
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَفْضَلُ بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ الْمَعْقُولَةِ ؛ وَثَبَتَ عَدَمُ فَضْلِ الْبَشَرِ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الْإِلَهِيَّةِ ؛ ثَبَتَ فَضْلُ الْمَلَكِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ .
وَقَدْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِن المُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ : أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَصَالِحَ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِن المَلَائِكَةِ .
وَذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى تَفْضِيلِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْبَشَرِ وَأَتْبَاعُ الْأَشْعَرِيِّ عَلَى قَوْلَيْنِ : مِنْهُمْ مَنْ يُفَضِّلُ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقِفُ وَلَا يَقْطَعُ فِيهِمَا بِشَيْءِ .
وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ مُتَأَخِّرِيهِمْ أَنَّهُ مَالَ إلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ وَرُبَّمَا حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ مَنْ يَدَّعِي السُّنَّةَ وَيُوَالِيهَا .
وَذَكَرَ لِي عَنْ بَعْضِ مَنْ تَكَلَّمَ فِي أَعْمَالِ الْقُلُوبِ أَنَّهُ قَالَ : أَمَّا الْمَلَائِكَةُ الْمُدَبِّرُونَ لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَالْمُوَكَّلُونَ بِبَنِي آدَمَ ؛ فَهَؤُلَاءِ أَفْضَلُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 356
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٥٦