وَهَذِهِ الصَّلَاةُ وَنَحْوُهَا مِمَّا يَتَمَتَّعُ بِهَا الْمَيِّتُ وَيَتَنَعَّمُ بِهَا كَمَا يَتَنَعَّمُ أَهْلُ الْجَنَّةِ بِالتَّسْبِيحِ فَإِنَّهُمْ يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ كَمَا يُلْهَمُ النَّاسُ فِي الدُّنْيَا النَّفَسَ ؛ فَهَذَا لَيْسَ مَنْ عَمَلِ التَّكْلِيفِ الَّذِي يُطْلَبُ لَهُ ثَوَابٌ مُنْفَصِلٌ بَلْ نَفْسُ هَذَا الْعَمَلِ هُوَ مِن النَّعِيمِ الَّذِي تَتَنَعَّمُ بِهِ الْأَنْفُسُ وَتَتَلَذَّذُ بِهِ .
وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ : صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ } يُرِيدُ بِهِ الْعَمَلَ الَّذِي يَكُونُ لَهُ ثَوَابٌ لَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْسَ الْعَمَلِ الَّذِي يَتَنَعَّمُ بِهِ فَإِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَنَعَّمُونَ بِالنَّظَرِ إلَى اللَّهِ وَيَتَنَعَّمُونَ بِذِكْرِهِ وَتَسْبِيحِهِ وَيَتَنَعَّمُونَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَيُقَالُ لِقَارِئِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارْقَ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْت تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَك عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا .
وَيَتَنَعَّمُونَ بِمُخَاطَبَتِهِمْ لِرَبِّهِمْ وَمُنَاجَاتِهِ وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ فِي الدُّنْيَا أَعْمَالاً يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الثَّوَابُ ؛ فَهِيَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَالٌ يَتَنَعَّمُ بِهَا صَاحِبُهَا أَعْظَمَ مِنْ أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَنِكَاحِهِ وَهَذِهِ كُلُّهَا أَعْمَالٌ أَيْضاً ؛ وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالنِّكَاحُ فِي الدُّنْيَا مِمَّا يُؤْمَرُ بِهِ وَيُثَابُ عَلَيْهِ مَعَ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ نَفْسُ الثَّوَابِ الَّذِي يَتَنَعَّمُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَهَذَا قَدْرُ مَا احْتَمَلَتْهُ هَذِهِ الْوَرَقَةُ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ لَهَا بَسْطٌ طَوِيلٌ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 330
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٣٠