وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } .
فَإِنَّ هَؤُلَاءِ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ " الْجِنُّ " قَدْ قِيلَ : إنَّهُ يَعُمُّ الْمَلَائِكَةَ ؛ كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ : { وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً } وَإِنْ كَانَ قَدْ قِيلَ فِي سَبَبِ ذَلِكَ : زَعَمَ بَعْضُ مُشْرِكِي الْعَرَبِ : أَنَّ اللَّهَ صَاهَرَ إلَى الْجِنِّ فَوَلَدَتْ الْمَلَائِكَةَ .
فَقَدْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ أَيْضاً كَمَا عَبَدَتْهَا الصَّابِئَةُ الْفَلَاسِفَةُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ } { قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ } يَعْنِي أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ تَأْمُرْهُمْ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا أَمَرَتْهُمْ بِذَلِكَ الْجِنُّ لِيَكُونُوا عَابِدِينَ لِلشَّيَاطِينِ الَّتِي تَتَمَثَّلُ لَهُمْ كَمَا يَكُونُ لِلْأَصْنَامِ شَيَاطِينُ .
وَكَمَا تَنْزِلُ الشَّيَاطِينُ عَلَى بَعْضِ مَنْ يَعْبُدُ الْكَوَاكِبَ وَيَرْصُدُهَا حَتَّى تَنْزِلَ عَلَيْهِ صُورَةٌ فَتُخَاطِبُهُ .
وَهُوَ شَيْطَانٌ مِن الشَّيَاطِينِ .
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : { أَلَمْ أَعْهَدْ إلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } { وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } { وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً
مجموعة الفتاوى — صفحة 135
مساهمون: ابن تيمية
ص١٣٥