بَلْ مُتَكَلِّمُوهُمْ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ إلَى الْبِدَعِ عِنْدَهُمْ مِن العِلْمِ الْإِلَهِيِّ بِمَقَايِيسِهِمْ الْمُسْتَخْرَجَةِ أَضْعَافَ أَضْعَافِ أَضْعَافِ مَا عِنْدَ حُذَّاقِ الْمُتَفَلْسِفَةِ .
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَّا صَارَ فِيهِمْ مَنْ يَتَحَذَّقُ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ فِي عِلْمِ مَا بَعْدَ الطَّبِيعَةِ كالفارابي وَابْنِ سِينَا وَنَحْوِهِمْ وَصَنَّفَ ابْنُ سِينَا كُتُباً زَادَ فِيهَا بِمُقْتَضَى الْأُصُولِ الْمُشْتَرَكَةِ : أَشْيَاءَ لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُتَقَدِّمُونَ وَسُمِّيَ ذَلِكَ الْعِلْمُ الْإِلَهِيُّ وَتَكَلَّمَ فِي النُّبُوَّاتِ وَالْكَرَامَاتِ وَمَقَامَاتِ الْعَارِفِينَ بِكَلَامِ فِيهِ شَرَفٌ وَرِفْعَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ .
وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْعُلُومِ الْإِلَهِيَّةِ النَّبَوِيَّةِ : فِيهِ مِن القُصُورِ وَالتَّقْصِيرِ وَالنِّفَاقِ وَالْجَهْلِ وَالضَّلَالِ وَالْكُفْرِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى بَصِيرَةٍ بِالْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَإِنَّمَا رَاجَ عَلَى مَنْ سَلَكَ طَرِيقَ الْمُتَفَلْسِفَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَرَّبَ إلَيْهِمْ مَعْرِفَةَ اللَّهِ وَالنُّبُوَّاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ وَالْوِلَايَةِ بِحَسَبِ أُصُولِ الصَّابِئَةِ الْفَلَاسِفَةِ - لَا بِحَسَبِ الْحَقِّ فِي نَفْسِهِ - بِمَا أَشْرَقَ عَلَى جَهَالَاتِهِمْ مِنْ نُورِ الرِّسَالَةِ وَبُرْهَانِ النُّبُوَّةِ .
كَمَا فَعَلَهُ نسطور النَّصْرَانِيُّ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ الْمَأْمُونِ الَّذِي تُنْسَبُ إلَيْهِ النسطورية فِي التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ ؛ لَكِنَّهُ بِمَا أَضَاءَ عَلَيْهِ مِنْ نُورِ الْمُسْلِمِينَ أَزَالَ كَثِيراً مِنْ فَسَادِ عَقِيدَةِ النَّصْرَانِيِّ وَبَقِيَ عَلَيْهِ مِنْهَا بَقَايَا عَظِيمَةٌ .
وَكَذَلِكَ يَحْيَى بْنُ عَدِيٍّ النَّصْرَانِيُّ لَمَّا تَفَلْسَفَ قَرَّبَ مَذْهَبَ النَّصَارَى فِي التَّثْلِيثِ إلَى أُصُولِ الْفَلَاسِفَةِ فِي الْعَقْلِ وَالْعَاقِلِ وَالْمَعْقُولِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 85
مساهمون: ابن تيمية
ص٨٥