فَقَدْ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ لِلْمَطَرِ وَإِنْزَالَهُ عَلَى الْأَرْضِ فَإِنَّهُ سَبَبُ الْحَيَاةِ فِي الْأَرْضِ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ مِن المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ثُمَّ قَالَ : { يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ } إذْ تَقْلِيبُهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ : تَحْوِيلُ أَحْوَالِ الْعَالَمِ بِإِنْزَالِ الْمَطَرِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ خَلْقِ النَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ وَالْمَعْدِنِ وَذَلِكَ سَبَبُ تَحْوِيلِ النَّاسِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ الْمُتَضَمِّنُ رَفْعَ قَوْمٍ وَخَفْضَ آخَرِينَ .
وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ بِخَلْقِهِ الزَّمَانَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ : { وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ } وَقَوْلِهِ : { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } وَقَوْلِهِ : { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً } وَقَوْلِهِ : { إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ } .
وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن النُّصُوصِ الَّتِي تُبَيِّنُ أَنَّهُ خَالِقُ الزَّمَانِ .
وَلَا يَتَوَهَّمُ عَاقِلٌ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الزَّمَانُ ؛ فَإِنَّ الزَّمَانَ مِقْدَارُ الْحَرَكَةِ .
وَالْحَرَكَةُ مِقْدَارُهَا مِنْ بَابِ الْأَعْرَاضِ وَالصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِغَيْرِهَا : كَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ .
وَلَا يَقُولُ عَاقِلٌ إنَّ خَالِقَ الْعَالَمِ هُوَ مِنْ بَابِ الْأَعْرَاضِ وَالصِّفَاتِ الْمُفْتَقِرَةِ إلَى الْجَوَاهِرِ وَالْأَعْيَانِ فَإِنَّ الْأَعْرَاضَ لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا بَلْ هِيَ مُفْتَقِرَةٌ إلَى مَحَلٍّ تَقُومُ بِهِ وَالْمُفْتَقِرُ إلَى مَا يُغَايِرُهُ لَا يُوجَدُ بِنَفْسِهِ بَلْ بِذَلِكَ الْغَيْرِ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى مَا بِهِ فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ هُوَ الْخَالِقُ ؟ .
ثُمَّ أَنْ يَسْتَغْنِيَ بِنَفْسِهِ وَأَنْ يَحْتَاجَ إلَيْهِ مَا سِوَاهُ وَهَذِهِ صِفَةُ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مِن النَّوْعِ الْأَوَّلِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 492
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٩٢