وَاقِعَةً بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ .
فَقَالُوا : { لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ } وَلَوْ كَرِهَ اللَّهُ شَيْئاً لَأَزَالَهُ وَمَا فِي الْعَالَمِ إلَّا مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ وَمَا ثَمَّ عَاصٍ وَأَنَا كَافِرٌ بِرَبِّ يُعْصَى وَإِنْ كَانَ هَذَا قَدْ عَصَى الْأَمْرَ فَقَدْ أَطَاعَ الْإِرَادَةَ ؛ وَرُبَّمَا اسْتَدَلُّوا بِالْجَبْرِ وَجَعَلُوا الْعَبْدَ مَجْبُوراً وَالْمَجْبُورُ مَعْذُورٌ وَالْفِعْلُ لِلَّهِ فِيهِ لَا لَهُ ؛ فَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ .
فَهَؤُلَاءِ كَافِرُونَ بِكُتُبِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَبِأَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ وَثَوَابِهِ وَعِقَابِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ وَدِينِهِ وَشَرْعِهِ كُفْراً لَا رَيْبَ فِيهِ وَهُمْ أَكْفَرُ مِن اليَهُودِ وَالنَّصَارَى بَلْ أَكْفَرُ مِن الصَّابِئَةِ والبراهمة الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالسِّيَاسَاتِ الْعَقْلِيَّةِ .
فَإِنَّ هَؤُلَاءِ كَافِرُونَ بِالدِّيَانَاتِ وَالشَّرَائِعِ الْإِلَهِيَّةِ وَبِالْآيَاتِ وَالسِّيَاسَاتِ الْعَقْلِيَّةِ .
وَأَمَّا الْأَوَّلُونَ : فَفِي تَكْفِيرِهِمْ تَفْصِيلٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ .
وَهَؤُلَاءِ أَعْدَاءُ اللَّهِ وَأَعْدَاءُ جَمِيعِ رُسُلِهِ بَلْ أَعْدَاءُ جَمِيعِ عُقَلَاءِ بَنِي آدَمَ بَلْ أَعْدَاءُ أَنْفُسِهِمْ ؛ فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَا يُمَكِّنُ أَحَداً أَنْ يَطْرُدَهُ وَلَا يَعْمَلَ بِهِ سَاعَةً مِنْ زَمَانٍ إذْ لَازَمَهُ : أَنْ لَا يَدْفَعَ ظُلْمَ ظَالِمٍ وَلَا يُعَاقِبُ مُعْتَدٍّ وَلَا يُعَاقِبُ مُسِيءٍ لَا بِمِثْلِ إسَاءَتِهِ وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْهَا .
وَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ إنَّمَا يُشِيرُونَ إلَى ذَلِكَ عِنْدَ أَهْوَاءِ أَنْفُسِهِمْ لِرَفْعِ الْمَلَامِ عَنْهُمْ وَإِلَّا فَإِذَا كَانَ لَهُمْ هَذَا مَعَ أَحَدٍ قَابَلُوهُ وَقَاتَلُوهُ وَاعْتَدَوْا عَلَيْهِ أَيْضاً وَلَا يَقِفُونَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 410
مساهمون: ابن تيمية
ص٤١٠