وَلِهَذَا سُئِلَ الْجُنَيْد عَنْ التَّوْحِيدِ فَقَالَ : التَّوْحِيدُ إفْرَادُ الْحُدُوثِ عَنْ الْقِدَمِ فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَمْيِيزِ الْمُحْدَثِ عَنْ الْقَدِيمِ .
وَلِهَذَا اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْخَالِقَ بَائِنٌ عَنْ مَخْلُوقَاتِهِ لَيْسَ فِي مَخْلُوقَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَاتِهِ وَلَا فِي ذَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ بَلْ الرَّبُّ رَبٌّ وَالْعَبْدُ عَبْدٌ : { إنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً } { لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً } { وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً } .
وَإِنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ بِهَذَا الْبَيْتِ أَرَادَ الِاتِّحَادَ الْوَصْفِيَّ ) : وَهُوَ أَنْ يُحِبَّ الْعَبْدَ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيُبْغِضَ مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ وَيَرْضَى بِمَا يُرْضِي اللَّهَ وَيَغْضَبُ لِمَا يُغْضِبُ اللَّهَ وَيَأْمُرُ بِمَا يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ وَيَنْهَى عَمَّا يَنْهَى اللَّهُ عَنْهُ وَيُوَالِي مَنْ يُوَالِيه اللَّهُ وَيُعَادِي مَنْ يُعَادِيه اللَّهُ وَيُحِبُّ لِلَّهِ وَيُبْغِضُ لِلَّهِ وَيُعْطِي لِلَّهِ وَيَمْنَعُ لِلَّهِ ؛ بِحَيْثُ يَكُونُ مُوَافِقاً لِرَبِّهِ تَعَالَى .
فَهَذَا الْمَعْنَى حَقٌّ وَهُوَ حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ وَكَمَالِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : مَنْ عَادَى لِي وَلِيّاً فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْت عَلَيْهِ وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَبْطِشُ وَبِي يَمْشِي وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنهُ وَمَا تَرَدَّدْت عَنْ
مجموعة الفتاوى — صفحة 340
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٤٠