فَصْلٌ :
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ إسْرَائِيلَ : الْأَمْرُ أَمْرَانِ : أَمْرٌ بِوَاسِطَةِ وَأَمْرٌ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ إلَى آخِرِهِ - فَمَضْمُونُهُ أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي بِوَاسِطَةِ هُوَ الْأَمْرُ الشَّرْعِيُّ الدِّينِيُّ وَاَلَّذِي بَلَا وَاسِطَةٍ هُوَ الْأَمْرُ الْقَدَرِيُّ الْكَوْنِيُّ ؛ وَجَعْلُهُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ بِوَاسِطَةِ وَالْآخَرَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ كَلَامٌ بَاطِلٌ فَإِنَّ الْأَمْرَ الدِّينِيَّ يَكُونُ بِوَاسِطَةِ وَبِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى وَأَمَرَهُ بِلَا وَاسِطَةٍ وَكَذَلِكَ كَلَّمَ مُحَمَّداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَهُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ وَكَذَلِكَ كَلَّمَ آدَمَ وَأَمَرَهُ بِلَا وَاسِطَةٍ وَهِيَ أَوَامِرُ دِينِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ .
وَأَمَّا الْأَمْرُ الْكَوْنِيُّ : فَقَوْلُ الْقَائِلِ إنَّهُ بِلَا وَاسِطَةٍ خَطَأٌ بَلْ اللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بَعْضَهَا بِبَعْضِ وَأَمْرُ التَّكْوِينِ لَيْسَ هُوَ خِطَاباً يَسْمَعُهُ الْمُكَوَّنُ الْمَخْلُوقُ فَإِنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ ؛ وَلِهَذَا قِيلَ : إنْ كَانَ هَذَا خِطَاباً لَهُ بَعْدَ وُجُودِهِ لَمْ يَكُنْ قَدْ كُوِّنَ بكن ؛ بَلْ كَانَ قَدْ كُوِّنَ قَبْلَ الْخِطَابِ وَإِنْ كَانَ خِطَاباً لَهُ قَبْلَ وُجُودِهِ فَخِطَابُ الْمَعْدُومِ مُمْتَنِعٌ .
وَقَدْ قِيلَ فِي جَوَابِ هَذَا : إنَّهُ خِطَابٌ لِمَعْلُومِ لِحُضُورِهِ فِي الْعِلْمِ وَإِنْ كَانَ مَعْدُوماً فِي الْعَيْنِ .
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْفَقِيرُ فَهُوَ سُؤَالٌ وَارِدٌ بِلَا رَيْبٍ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 320
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٢٠