عَلَيْهَا نَصّاً وَلَا قِيَاساً وَأَمَّا أَرْبَابُ الْإِشَارَاتِ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ مَا دَلَّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ وَيَجْعَلُونَ الْمَعْنَى الْمُشَارَ إلَيْهِ مَفْهُوماً مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ وَالِاعْتِبَارِ فَحَالُهُمْ كَحَالِ الْفُقَهَاءِ الْعَالِمِينَ بِالْقِيَاسِ ؛ وَالِاعْتِبَارِ وَهَذَا حَقٌّ إذَا كَانَ قِيَاساً صَحِيحاً لَا فَاسِداً وَاعْتِبَاراً مُسْتَقِيماً لَا مُنْحَرِفاً .
وَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ هُنَا الْكَلَامَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ فَنَقُولُ : تَفْسِيرُ الْآيَةِ بِمَا هُوَ مَأْثُورٌ وَمَنْقُولٌ عَنْ مَنْ قَالَهُ مِن السَّلَفِ وَالْمُفَسِّرِينَ ؛ مِنْ أَنَّ الْمَعْنَى كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ .
هُوَ أَحْسَنُ مِنْ ذَلِكَ التَّفْسِيرِ الْمُحْدَثِ ؛ بَلْ لَا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْآيَةِ بِذَلِكَ التَّفْسِيرِ الْمُحْدَثِ وَهَذَا يُبَيَّنُ بِوُجُوهِ بَعْضُهَا يُشِيرُ إلَى الرُّجْحَانِ وَبَعْضُهَا يُشِيرُ إلَى الْبُطْلَانِ .
الْأَوَّلُ : أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ إلَّا مِنْ وَجْهِهِ وَلَكِنْ قَالَ إلَّا وَجْهَهُ .
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ ثَمَّ أَشْيَاءُ تَهْلَكُ إلَّا وَجْهَهُ .
فَإِنْ أُرِيدَ بِوَجْهِهِ وُجُودَهُ : اقْتَضَى أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى وُجُودِهِ هَالِكٌ فَيَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْمَخْلُوقَاتُ هَالِكَةً .
وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ .
وَهُوَ أَيْضاً عَلَى قَوْلِ الِاتِّحَادِيَّةِ ؛ فَإِنَّهُ عِنْدَهُمْ مَا ثَمَّ إلَّا وُجُودٌ وَاحِدٌ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ كُلُّ مَا سِوَى وُجُودِهِ هَالِكٌ إذْ مَا ثَمَّ شَيْءٌ يُخْبَرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ سِوَى وُجُودِهِ إذْ أَصْلُ مَذْهَبِهِمْ نَفْيُ السِّوَى وَالْغَيْرِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ .
وَهَذَا يَتِمُّ بِالْوَجْهِ الثَّانِي : وَهُوَ أَنَّهُ إذَا قِيلَ الْمُرَادُ بِالْهَالِكِ الْمُمْكِنُ الَّذِي لَا وُجُودَ لَهُ مِنْ جِهَتِهِ .
فَيَكُونُ الْمَعْنَى كُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ وُجُودُهُ مِنْ نَفْسِهِ إلَّا هُوَ .
قِيلَ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْهَالِكِ فِي الشَّيْءِ الْمَوْجُودِ الْمَخْلُوقِ لِأَجْلِ أَنَّ وُجُودَهُ مِنْ رَبِّهِ لَا مِنْ نَفْسِهِ : لَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازاً .
مجموعة الفتاوى — صفحة 28
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٨