وَمَعْبُودِينَ تَسْمِيَةٌ ابْتَدَعُوهَا هُمْ وَآبَاؤُهُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ حُجَّةٍ وَلَا سُلْطَانٍ وَالْحُكْمُ لَيْسَ إلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ .
وَقَدْ أَمَرَ هُوَ - سُبْحَانَهُ - أَنْ لَا يُعْبَدَ إلَّا إيَّاهُ فَكَيْفَ يَحْتَجُّ بِقَوْلِ مُشْرِكِينَ لَا حُجَّةَ لَهُمْ ؟ وَقَدْ أَبْطَلَ اللَّهُ قَوْلَهُمْ ؟ وَأَمَرَ الْخَلْقَ أَنْ لَا يَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ دُونَ هَذِهِ الْأَوْثَانِ الَّتِي سَمَّاهَا الْمُشْرِكُونَ آلِهَةً وَعِنْدَ الْمَلَاحِدَةِ عَابِدُو الْأَوْثَانِ مَا عَبَدُوا إلَّا اللَّهَ .
ثُمَّ إنَّ الْمُشْرِكِينَ أَنْكَرُوا عَلَى الرَّسُولِ حَيْثُ جَاءَهُمْ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَيَذْرُوَا مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ فَإِذَا كَانُوا هُمْ مَا زَالُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَحْدَهُ كَمَا تَزْعُمُهُ الْمَلَاحِدَةُ : فَلَمْ يُدْعَوْا إلَى تَرْكِ مَا يَعْبُدُهُ آبَاؤُهُمْ ؛ بَلْ جَاءَهُمْ - لِيُعْبَدَ كُلُّ شَيْءٍ كَانَ يَعْبُدُهُ آبَاؤُهُمْ - هُوَ وَغَيْرُهُ مِن الأَنْبِيَاءِ .
وَكَذَلِكَ قَالَ سُبْحَانَهُ فِي سُورَةِ يُوسُفَ عَنْهُ : { يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } { مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ } إلَى قَوْلِهِ : { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } وَقَالَ سُبْحَانَهُ : { أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى } { وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى } إلَى قَوْلِهِ : { وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى } .
وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ : هِيَ الْأَوْثَانُ الْعِظَامُ الْكِبَارُ الَّتِي كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَنْتَابُونَهَا مِنْ أَمْصَارِهِمْ ؛ فَاللَّاتُ : كَانَتْ حَذْوَ قديد بِالسَّاحِلِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 258
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٥٨