النَّاسِ عَامَّةً } وَقَالَ : { أُعْطِيت خَمْساً لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي : نُصِرْت بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلّ لِأَحَدِ قَبْلِي وَأُعْطِيت الشَّفَاعَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْت إلَى النَّاسِ عَامَّةً } وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً } وَقَالَ تَعَالَى : { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعاً } الْآيَةَ .
فَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ إلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ : إنْسِهِمْ وَجِنِّهِمْ عَرِبِهِمْ وَعَجَمِهِمْ مُلُوكِهِمْ وَزُهَّادِهِمْ الْأَوْلِيَاءِ مِنْهُمْ وَغَيْرِ الْأَوْلِيَاءِ فَلَيْسَ لِأَحَدِ الْخُرُوجُ عَنْ مُتَابَعَتِهِ بَاطِناً وَظَاهِراً وَلَا عَنْ مُتَابَعَةِ مَا جَاءَ بِهِ مِن الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي دَقِيقٍ وَلَا جَلِيلٍ لَا فِي الْعُلُومِ وَلَا الْأَعْمَالِ وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَقُولَ لَهُ كَمَا قَالَ الْخَضِرُ لِمُوسَى وَأَمَّا مُوسَى فَلَمْ يَكُنْ مَبْعُوثاً إلَى الْخَضِرِ .
الثَّانِي : أَنَّ قِصَّةَ الْخَضِرِ لَيْسَ فِيهَا مُخَالَفَةٌ لِلشَّرِيعَةِ بَلْ الْأُمُورُ الَّتِي فَعَلَهَا تُبَاحُ فِي الشَّرِيعَةِ إذَا عَلِمَ الْعَبْدُ أَسْبَابَهَا كَمَا عَلِمَهَا الْخَضِرُ وَلِهَذَا لَمَّا بَيَّنَ أَسْبَابَهَا لِمُوسَى وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ مُخَالِفاً لِشَرِيعَتِهِ لَمْ يُوَافِقْهُ بِحَالِ .
وَقَدْ بَسَطْنَا هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنَّ خَرْقَ السَّفِينَةِ مَضْمُونُهُ أَنَّ الْمَالَ الْمَعْصُومَ يَجُورُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَحْفَظَهُ لِصَاحِبِهِ بِإِتْلَافِ بَعْضِهِ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ مِنْ ذَهَابِهِ بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا جَازَ لِلرَّاعِي - عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَذْبَحَ الشَّاةَ ؛ الَّتِي خَافَ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَقِصَّةُ الْغُلَامِ مَضْمُونُهَا جَوَازُ قَتْلِ الصَّبِيِّ الصَّائِلِ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لنجدة : وَأَمَّا الْغِلْمَانُ فَإِنْ كُنْت تَعْلَمُ مِنْهُمْ مَا عَلِمَهُ الْخَضِرُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 234
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٣٤