وهو الكتاب الذي كتب الله فيه ما يكون إلى يوم القيامة ، لما رأى في ذلك من صلاح
ملائكته بالنظر فيه ، وعلم فيه من لطف المكلفين بالإخبار عنه ( لدينا ) أي الذي
عندنا ، عن ابن عباس ( لعلي ) أي عال في البلاغة ، مظهر ما بالعباد إليه من
الحاجة . وقيل : معناه يعلو كل كتاب بما اختص به من كونه معجزا وناسخا للكتب ،
وبوجوب إدامة العمل به ، وبما تضمنه من الفوائد . وقيل : ( علي ) أي عظيم الشأن
رفيع الدرجة ، تعظمه الملائكة والمؤمنون ( حكيم ) أي مظهر للحكمة البالغة .
وقيل : حكيم دلالة على كل حق وصواب ، فهو بمنزلة الحكيم الذي لا ينطق إلا
بالحق . وصف الله تعالى القرآن بهاتين الصفتين على سبيل التوسع ، لأنهما من
صفات الحي .
ثم خاطب سبحانه من لم يعتبر بالقرآن ، وجحد ما فيه من الحكمة والبيان ،
فقال : ( أفنضرب عنكم الذكر صفحا ) والمراد بالذكر هنا القرآن أي : أفنترك عنكم
الوحي صفحا ، فلا نأمركم ، ولا ننهاكم ، ولا نرسل إليكم رسولا . ( إن كنتم قوما
مسرفين ) أي لأن كنتم . والمعنى : أفنمسك عن إنزال القرآن ونهملكم ، فلا نعرفكم
ما يجب عليكم من أجل أنكم أسرفتم في كفركم . وهذا استفهام إنكار ، ومعناه : إنا
لا نفعل ذلك . وأصل ضربت عنه الذكر ، أن الراكب إذا ركب دابة ، فأراد أن يصرفه
عن جهة ، ضربه بعصى أو سوط ، ليعدل به إلى جهة أخرى . ثم وضع الضرب
موضع الصرف والعدل . وقيل : إن الذكر بمعنى العذاب ، ومعناه : أحسبتم أنا لا
نعذبكم أبدا ، عن السدي . * ( وكم أرسلنا من نبي في الأولين [ 6 ] * وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به
يستهزئون [ 7 ] * فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين [ 8 ] * ولئن
سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم [ 9 ] * الذي
جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون [ 10 ] * .
المعنى : ثم عزى سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : ( وكم أرسلنا من نبي في
الأولين ) أي في الأمم الماضية ( وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون ) يعني :
إن الأمم الخالية التي ذكرناها ، كفرت بالأنبياء ، وسخرت منهم ، لفرط جهالتهم
تفسير مجمع البيان — صفحة 68
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٦٨