والجن . فيرانا الصبي على عبادة الله ، فيتصور أن ما خالفها باطل . فكذلك
الهدهد ، تصور له أن ما خالف فعل سليمان باطل . وهذا الذي ذكره خلاف ظاهر
القرآن ، لأنه لا يجوز أن يفرق بين الحق الذي هو السجود لله ، وبين الباطل الذي هو
السجود للشمس ، وأن أحدهما حسن ، والآخر قبيح ، إلا العارف بالله سبحانه ، وبما
يجوز عليه وما لا يجوز ، هذا مع نسبة تزيين أعمالهم وصدهم عن طريق الحق إلى
الشيطان ، وهذا مقالة من يعرف العدل ، وأن القبيح غير جائز على الله سبحانه .
( ألا يسجدوا لله ) قد بينا أن التخفيف إنما هو على معنى الأمر بالسجود ،
ودخلت الياء للتنبيه ، أو على تقدير : ألا يا قوم اسجدوا لله . وقيل : إنه أمر من الله
تعالى لجميع خلقه بالسجود له . اعترض في الكلام . وقيل : إنه من كلام الهدهد ،
قاله لقوم بلقيس ، حين وجدهم يسجدون لغير الله ، وقاله لسليمان عند عوده إليه ،
استنكارا لما وجدهم عليه . والقراءة بالتشديد على معنى زين لهم الشيطان ضلالتهم ،
لئلا يسجدوا لله . وذكر الفراء : إن القراءة بالتشديد ، لا توجب سجدة التلاوة ، وهذا
غير صحيح ، لأن الكلام قد تضمن الذم على ترك السجود فيه ، دلالة على وجوب
السجود ، وهو كقوله : ( وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن ) الآية .
( الذي يخرج الخب ء في السماوات والأرض ) الخب ء : المخبوء ، وهو ما
أحاط به غيره حتى منع من إدراكه ، وهو مصدر وصف به ، يقال : خبأته أخبؤه خبأ ،
وما يوجده الله تعالى فيخرجه من العدم إلى الوجود ، يكون بهذه المنزلة . وقيل :
الخب ء الغيب ، وهو كل ما غاب عن الإدراك . فالمعنى : يعلم غيب السماوات
والأرض ، عن عكرمة ، ومجاهد . وقيل : إن خب ء السماوات المطر ، وخب ء
الأرض : النبات والأشجار ، عن ابن زيد .
( ويعلم ما تخفون وما تعلنون ) أي : يعلم السر والعلانية ( الله لا إله إلا هو
رب العرش العظيم ) إلى ها هنا تمام الحكاية لما قاله الهدهد . ويحتمل أن يكون
ابتداء إخبار من الله تعالى . والعرش : سرير الملك الذي عظمه الله ، ورفعه فوق
السماوات السبع ، وجعل الملائكة تحف به ، وترفع أعمال العباد إليه ، وتنشأ البركات
من جهته ، فهو عظيم الشأن ، كما وصفه الله تعالى ، وهو أعظم خلق الله تعالى .
* ( قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين [ 27 ] اذهب بكتابي هذا
تفسير مجمع البيان — صفحة 377
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٧٧