وفي كل لغو يخوضون ، يمدحون ويذمون بالباطل ، عن ابن عباس ، وقتادة .
والمعنى أنهم لما يغلب عليهم من الهوى ، كالهائم على وجهه في كل واد ، يعني :
فيخوضون في كل فن من الكلام والمعاني التي تعن لهم ، ويريدونها . فالوادي مثل
لفنون الكلام ، وهيمانهم فيه قولهم على الجهل بما يقولون من لغو وباطل ، وغلو في
مدح وذم ( وأنهم يقولون ما لا يفعلون ) أي : يحثون على أشياء لا يفعلونها ، وينهون
عن أشياء يرتكبونها .
ثم استثنى من جملتهم فقال : ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) وهم
شعراء المؤمنين ، مثل عبد الله بن رواحة ، وكعب بن مالك ، وحسان بن ثابت ،
وسائر شعراء المؤمنين الذين مدحوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وردوا هجاء من هجاه . وفي
الحديث عن الزهري قال : حدثني عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال : يا رسول
الله ! ماذا تقول في الشعر ؟ فقال : إن المؤمن مجاهد بسيفه ولسانه ، والذي نفسي
بيده لكأنما ينضحونهم بالنبل . وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لحسان بن ثابت : ( أهجهم ، أو
هاجهم وروح القدس معك ) . رواه البخاري ومسلم في الصحيحين . وقال الشعبي :
كان أبو بكر يقول الشعر ، وكان عمر يقول الشعر ، وكان عليه السلام أشعر من الثلاثة .
( وذكروا الله كثيرا ) لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله ، ولم يجعلوا الشعر
همهم . ( وانتصروا ) من المشركين للرسول والمؤمنين ( من بعد ما ظلموا ) قال
الحسن : انتصروا بما يحبون الإنتصار به في الشريعة ، وهو نظير قوله ( لا يحب الله
الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ) أي ردوا على المشركين ما كانوا يهجون به
المؤمنين . ثم هدد الظالمين فقال : ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) أي :
سوف يعلم أي مرجع يرجعون ، وأي منصرف ينصرفون ، لأن منصرفهم إلى النار ،
نعوذ بالله منها !
تفسير مجمع البيان — صفحة 360
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٦٠