المعنى : ثم بين سبحانه أن عدولهم عن الإيمان إنما هو لإيثارهم الحياة الدنيا
فقال : ( زين للذين كفروا الحياة الدنيا ) ( 1 ) وفيه قولان أحدهما : إن الشيطان زينها
لهم بأن قوى دواعيهم ، وحسن فعل القبيح والإخلال بالواجب إليهم . فأما الله فلا
يجوز أن يكون المزين لهم إياها ، لأنه زهد فيها . وقال ( واعلم أنها متاع الغرور ) ،
وقال : ( قل متاع الدنيا قليل ) ، عن الحسن ، والجبائي والأخر : إن الله زينها لهم
بأن خلق فيها الأشياء المحبوبة المعجبة ، وبما خلق لهم من الشهوة لها ، كما قال :
( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير ) الآية . وإنما كان كذلك ،
لأن التكليف لا يتم إلا مع الشهوة ، فإن الانسان إنما يكلف بأن يدعى إلى شئ تنفر
نفسه عنه ، أو يزجر عن شئ تتوق نفسه إليه . وهذا معنى قول النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " : " حفت
الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات " وإنما ذكر الفعل وهو مستند إلى الحياة ، لأن
تأنيث الحياة غير حقيقي ، وهو بمعنى العيش والبقاء ونحوهما ، ولأنه فصل بين الفعل
والفاعل بقوله ( للذين كفروا ) وإذا قالوا في التأنيث الحقيقي : حضر القاضي اليوم
امرأة ، وجوزوا التذكير فيه ، فهو في التأنيث غير الحقيقي أجوز .
( ويسخرون من الذين آمنوا ) ويهزأون من المؤمنين لفقرهم . وقيل : لإيمانهم
بالبعث ، وجدهم في ذلك . وقيل : لزهدهم في الدنيا . ويمكن حمله على الجميع
إذ لا تنافي بين هذه الأقوال . ( والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة ) أي : الذين اجتنبوا
الكفر فوق الكفار في الدرجات . وقيل : أراد أن تمتعهم بنعيم الآخرة أكثر من
استمتاع هؤلاء في الآخرة بنعيم الدنيا . وقيل : أراد أن حالهم فوق هؤلاء الكفار ،
لأنهم في عليين ، وهؤلاء في سجين . وهذا كقوله : ( أصحاب الجنة يومئذ خير
مستقرا ) ومثله قول حسان يعني رسول الله وأبا جهل : ( فشركما لخيركما الفداء ) .
وقيل : إنه أراد أن حال المؤمنين في الهزء بالكفار والضحك منهم في الآخرة ، حال
فوق هؤلاء في الدنيا . ويدل على ذلك قوله تعالى : ( إن الذين أجرموا كانوا من
الذين آمنوا يضحكون ) إلى قوله : ( فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ) .
( والله يرزق من يشاء بغير حساب ) قيل فيه أقوال أحدها : إن معناه يعطيهم
الكثير الواسع الذي لا يدخله الحساب من كثرته وثانيها : إنه لا يرزق الناس في الدنيا
هامش
( 1 ) هذا من نقل الآية بالمعنى ، وإلا تلفظ الآية هكذا : ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) ( آل
عمرا ن ، 185 ) .