أردفتهم ، قتلتموهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد ، تركتموهم فارجعوا
فاستأصلوهم . فبلغ ذلك الخبر رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " ، فأراد أن يرهب العدو ، ويريهم
من نفسه وأصحابه قوة . فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان . وقال : ألا
عصابة تشدد لأمر الله ، تطلب عدوها ، فإنها أنكأ للعدو ، وأبعد للسمع ؟ فانتدب
عصابة منهم ، مع ما بهم من القراح والجراح الذي أصابهم يوم أحد ، ونادى منادي
رسول الله : ألا لا يخرجن أحد إلا من حضر يومنا بالأمس ، وإنما خرج رسول
الله " صلى الله عليه وآله وسلم " ليرهب العدو ، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم ، فيظنوا به قوة ، وأن الذي
أصابهم لم يوهنهم من عدوهم ، فينصرفوا .
فخرج في سبعين رجلا حتى بلغ ( حمراء الأسد ) ، وهي من المدينة على ثمانية
أميال . وذكر علي بن إبراهيم بن هاشم في تفسيره أن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " قال : هل من
رجل يأتينا بخبر القوم ؟ فلم يجبه أحد . فقال أمير المؤمنين : أنا آتيك بخبرهم .
قال : إذهب فإن كانوا ركبوا الخيل وجنبوا الإبل ، فإنهم يريدون المدينة . وإن كانوا
ركبوا الإبل ، وجنبوا الخيل ، فإنهم يريدون مكة . فمضى أمير المؤمنين " عليه السلام " على ما
به من الألم والجراح ، حتى كان قريبا من القوم ، فرآهم قد ركبوا الإبل ، وجنبوا
الخيل .
فرجع وأخبر رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " بذلك . فقال : أرادوا مكة . فلما دخل رسول
الله المدينة ، نزل جبرائيل فقال : يا محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله ، عز وجل ، يأمرك أن
تخرج ولا يخرج معك إلا من به جراحة . فأقبلوا يكمدون جراحاتهم ، ويداوونها .
فأنزل الله تعالى على نبيه " صلى الله عليه وآله وسلم " : ( ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم
يألمون كما تألمون ) . . فخرجوا على ما بهم من الألم والجراح ، حتى بلغوا ( حمراء
الأسد ) . وروى محمد بن إسحاق بن يسار ، عن عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت ،
عن أبي السائب أن رجلا من أصحاب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " من بني عبد الأشهل ، كان شهد
أحدا ، قال : شهدت أحدا أنا وأخ لي ، فرجعنا جريحين . فلما أذن مؤذن رسول
الله " صلى الله عليه وآله وسلم " بالخروج في طلب العدو ، قلنا : لا تفوتنا غزوة مع رسول الله ، فوالله ما
لنا دابة نركبها ، وما منا إلا جريح ثقيل . فخرجنا مع رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " ، وكنت أيسر
جرحا من أخي . فكنت إذا غلب حملته عقبة ، ومشى عقبة ، حتى انتهينا مع رسول
الله إلى ( حمراء الأسد ) فمر برسول الله معبد الخزاعي بحمراء الأسد ، وكانت
تفسير مجمع البيان — صفحة 447
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٤٧