المعنى : ثم بين سبحانه أن مساهلة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إياهم ، ومجاوزته عنهم من
رحمته تعالى ، حيث جعله لين العطف ، حسن الخلق ( 1 ) : ( فبما رحمة ) أي :
فبرحمة ( من الله لنت لهم ) معناه : إن لينك لهم مما يوجب دخولهم في الدين ،
لأنك تأتيهم مع سماحة أخلاقك ، وكرم سجيتك ، بالحجج والبراهين ( ولو كنت ) يا
محمد ( فظا ) أي : جافيا سئ الخلق . ( غليظ القلب ) أي : قاسي الفؤاد ، غير
ذي رحمة ولا رأفة ( لانفضوا من حولك ) أي : لتفرق أصحابك عنك ، ونفروا
منك . وقيل : إنما جمع بين الفظاظة والغلظة ، وإن كانتا متقاربتين ، لأن الفظاظة في
الكلام ، فنفى الجفاء عن لسانه ، والقسوة عن قلبه .
( فاعف عنهم ) ما بينك وبينهم ( واستغفر لهم ) ما بينهم وبيني . وقيل : معناه
فاعف عنهم فرارهم من أحد ، واستغفر لهم من ذلك الذنب ( وشاورهم في الأمر )
أي : استخرج آراءهم ، واعلم ما عندهم .
واختلفوا في فائدة مشاورته إياهم مع استغنائه بالوحي عن تعرف صواب الرأي
من العباد على أقوال أحدها : إن ذلك على وجه التطييب لنفوسهم ، والتألف لهم ،
والرفع من أقدارهم ، ليبين أنهم ممن يوثق بأقوالهم ، ويرجع إلى آرائهم ، عن قتادة
والربيع وابن إسحاق وثانيها : إن ذلك لتقتدي به أمته في المشاورة ، ولم يروها
نقيصة ، كما مدحوا بأن أمرهم شورى بينهم ، عن سفيان بن عيينة . وثالثها : إن ذلك
ليمتحنهم بالمشاورة ، ليتميز الناصح من الغاش . وخامسها : إن ذلك في أمور
الدنيا ، ومكائد الحرب ، ولقاء العدو . وفي مثل ذلك يجوز أن يستعين بآرائهم ، عن
أبي علي الجبائي .
( فإذا عزمت ) أي : فإذا عقدت قلبك على الفعل وإمضائه . ورووا عن
جعفر بن محمد ، وعن جابر بن يزيد : ( فإذا عزمت ) بالضم . فعلى هذا يكون
معناه : فإذا عزمت لك ووفقتك وأرشدتك ( فتوكل على الله ) أي : فاعتمد على الله ،
وثق به ، وفوض أمرك إليه ( إن الله يحب المتوكلين ) يعني الواثقين به ، والمعتمدين
عليه ، والمنقطعين إليه ، الواكلين أمرهم إلى لطفه وتدبيره . وفي هذه الآية دلالة على
اختصاص نبينا بمكارم الأخلاق ، ومحاسن الأفعال ، ومن عجيب أمره " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه كان
هامش
( 1 ) [ فقال ] .