على الرماة ، وهم خمسون رجلا ، وقال : لا تبرحوا مكانكم ، فإنا لا نزال غالبين ما
ثبتم بمكانكم . وجاءت تريش على ميمنتهم خالد بن الوليد ، وعلى ميسرتهم
عكرمة بن أبي جهل ، ومعهم النساء يضربن بالدفوف ، وينشدن الأشعار ، فقالت
هند :
نحن بنات طارق * نمشي على النمارق ( 1 )
إن تقبلوا نعانق * أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق
وكان أبو عامر ، عبد عمرو بن الصيفي ، أول من لقيهم بالأحابيش ( 2 ) ، وعبيد
أهل مكة ، فقاتلهم قتالا شديدا ، وحميت الحروب . فقال رسول الله : ( من يأخذ
هذا السيف بحقه ، ويضرب به العدو ، أو العبيد ، حتى ينحني " فأخذه أبو دجانة
سماك بن خرشة الأنصاري . فلما أخذ السيف اعتم بعمامة حمراء ، وجعل يفتخر
تبخترا ، ويقول :
أنا الذي عاهدني خليلي * أن لا أقيم الدهر في الكيول ( 3 )
أضرب بسيف الله ، والرسول
فقال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " : " إنها لمشية يبغضها الله ورسوله إلا في هذا
الموضع " . ثم حمل النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وأصحابه على المشركين فهزموهم . وقتل علي بن
أبي طالب " عليه السلام " أصحاب اللواء كما تقدم بيانه ، وأنزل الله نصرته على المسلمين .
قال الزبير : فرأيت هندا وصواحبها هاربات مصعدات في الجبال ، نادية خدامهن ما
دون أخذهن شئ . فلما نظرت الرماة إلى القوم قد انكشفوا ، ورأوا النبي وأصحابه
ينتهبون الغنيمة ، أقبلوا يريدون النهب ، واختلفوا . فقال بعضهم : لا تتركوا أمر
الرسول . وقال بعضهم : ما بقي من الأمر شئ . ثم انطلق عامتهم ، ولحقوا
بالعسكر . فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة ، واشتغال المسلمين بالغنيمة ، ورأى
ظهورهم خالية ، صاح في خيله من المشركين ، وحمل على أصحاب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "
من خلفهم ، فهزموهم وقتلوهم ، ورمى عبد الله بن قمية الحارثي رسول الله بحجر ،
هامش
( 1 ) النمرقة : البساط . الوامق : المحب .
( 2 ) الأحابيش . موضع بينه وبين مكة ستة أميال .
( 3 ) الكيول : آخر صفوف الجيش في الحرب .