الاختصاص بما ينفي الحاجة ، فإن اختص بمال ينفي الحاجة ، فذلك غنى . وكذلك
الغنى بالجاه ، والأصحاب ، وغير ذلك فأما الغني في صفات الله ، فهو اختصاصه
بكونه قادرا على وجه لا يعجزه شئ . وقولنا فيه إنه غني معناه أنه لا تجوز عليه
الحاجة . أصحاب النار : إنما سموا بذلك لملازمتهم فيها ، كما يقال هؤلاء أصحاب
الصحراء : إذا كانوا ملازمين لها . وقد يقال أصحاب العقار بمعنى ملاكه ، وأصحاب
الرجل أتباعه وأعوانه ، وأصحاب العالم المتعلمون منه ، فالإضافات مختلفة . وأصل
المصاحبة : الملازمة . والنار : أصله من النور ، وهو جسم لطيف فيه حرارة ونور
واعتماد علوي . والريح : واحدة الرياح ، ومنه الروح لدخول الريح الطيبة على
النفس ، وكذلك الارتياح والتروح . والراحة من التعب ، ومنه الروح : لأنها كالريح
في اللطافة ، ومنه الرائحة ، لان الري تحملها إلى الحس . والصر : البرد الشديد ،
وأصله من الصرير : وهو الصوت . قال الزجاج : الصر : صوت لهب النار التي كانت
في تلك الريح . ويجوز أن يكون الصر : صوت الريح الباردة الشديدة ، وذلك من
صفات الشمال ، فإنها توصف بأن لها قعقعة . والصر : شدة الصياح .
المعنى : لما تقدم وصف المؤمنين ، عقبه سبحانه ببيان حال الكافرين فقال :
( إن الذين كفروا ) بالله ورسوله ( لن تغني عنهم ) أي : لن تدفع عنهم ( أموالهم ولا
أولادهم من ) عذاب ( الله شيئا ) . وإنما خص الأموال والأولاد بالذكر ، لان هذين
معتمد الخلق ، وأعز الأشياء عليهم . فإذا لم يغنيا عن الانسان شيئا ، فغيرهما غناؤه
أبعد ( وأولئك أصحاب النار ) أي : ملازموها ( هم فيها خالدون ) أي : دائمون .
ثم ضرب مثلا لانفاقهم فقال : ( مثل ما ينفقون ) أي : شبه ما ينفقون من
أموالهم ( في هذه الحياة الدنيا ) قيل : هو ما ينفقون على الكفار في عداوة الرسول .
وقيل : هو ما أنفقه أبو سفيان وأصحابه ببدر وأحد ، لما تظاهروا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم
ونفقاتهم في الدنيا ، عن مجاهد ، وفي الآية حذف وتقديره : مثل اهلاك ما ينفقون
( كمثل ) اهلاك ( ريح ) فيها صر ، فحذف الاهلاك لدلالة آخر الكلام عليه ، وفيه
تقدير آخر : مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح ، فيكون تشبيه ذلك الانفاق ( 1 ) من
الحرث بالريح .
هامش
( 1 ) ( بالمهلك ) .