وأضاف أبو ذر الغفاري ضيفا ، فقال للضيف : إني مشغول ، وإن لي إبلا ،
فأخرج وأتني بخيرها . فذهب فجاء بناقة مهزولة ، فقال له أبو ذر : خنتني بهذه .
فقال : وجدت خير الإبل فحلها ، فذكرت يوم حاجتكم إليه . فقال أبو ذر : إن يوم
حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي مع أن الله يقول : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما
تحبون ) .
وقال أبو ذر : في المال ثلاثة شركاء : القدر لا يستأمرك ( 1 ) أن يذهب بخيرها أو
شرها من هلك أو موت . والوارث ينتظرك أن تضع رأسك ، ثم يستاقها ، وأنت
ذميم . وأنت الثالث : فإن استطعت أن لا تكون أعجز الثلاثة فلا تكن ، إن الله
يقول : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) . وإن هذا الجمل كان مما أحب من
مالي ، فأحببت أن أقدمه لنفسي .
وقال بعضهم : دلهم بهذه الآية على الفتوة فقال : ( لن تنالوا البر ) أي : بري
بكم ، إلا ببركم بإخوانكم ، والإنفاق عليهم من مالكم وجاهكم وما تحبون ، فإذا
فعلتم ذلك ، نالكم بري وعطفي . ( وما تنفقوا من شئ فإن الله به عليم ) جاء بالفاء
على جواب الشرط ، وإن كان الله يعلم ذلك على كل حال . وفيه وجهان أحدها :
إن تقديره : وما تنفقوا من شئ فإن الله يجازيكم به ، قل أو كثر ، لأنه عليم لا يخفى
عليه شئ منه . والآخر : إن تقديره : فإنه يعلمه الله موجودا على الحد الذي تفعلونه
من حسن النية أو قبحها .
فإن قيل : كيف قال سبحانه ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) والفقير ينال
الجنة ، وإن لم ينفق ؟ قيل : الكلام خرج مخرج الحث على الانفاق ، وهو مقيد
بالإمكان . وإنما أطلق على سبيل المبالغة في الترغيب . والأولى أن يكون المراد :
لن تنالوا البر الكامل الواقع على أشرف الوجوه ، حتى تنفقوا مما تحبون . وروي عن
ابن عمر أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " سئل عن هذه الآية فقال : " هو أن ينفق العبد المال وهو
شحيح يأمل الدنيا ، ويخاف الفقر " .
النظم : وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه لما ذكر في الآية الأولى ( لن يقبل من
أحدهم ملء الأرض ذهبا ) وصل ذلك بقوله : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا ) لئلا يؤدي
امتناع غناء الفدية إلى الفتور في الصدقة ، وما جرى مجراها من وجوه الطاعة .
هامش
( 1 ) أي : لا يستشيرك .