وإنما يجوز البدل في هذا إذا كان وقت اختصامهم وقت قول الملائكة ليكون البدل
المبدل منه في المعنى .
المعنى : ( ذلك ) إشارة إلى ما تقدم ذكره من حديث مريم وزكريا ويحيى ( من
انباء الغيب ) أي : من أخبار ما غاب عنك ، وعن قومك ( نوحيه إليك ) أي : نلقيه
عليك معجزة وتذكيرا ، وتبصرة وموعظة وعبرة . ووجه الإعجاز فيه أن ما غاب عن
الانسان ، يمكن أن يحصل علمه بدراسة الكتب ، أو التعلم ، أو الوحي .
والنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يشاهد هذه القصص ، ولا قرأها من الكتب ، ولا تعلمها . إذ كان
نشؤه بين أهل مكة ، ولم يكونوا أهل كتاب . فوضح الله أن أوحى إليه بها . وفي ذلك
صحة نبوته .
( وما كنت ) يا محمد ( لديهم ) عندهم ( إذ يلقون أقلامهم ) التي كانوا يكتبون
بها التوراة في الماء ، على ما تقدم ذكره قبل . وقيل أقلامهم : أقداحهم للاقتراع ،
جعلوا عليها علامات يعرفون بها من يكفل مريم على جهة القرعة ( أيهم يكفل مريم )
وفيه حذف أي : لينظروا أيهم تظهر قرعته ، ليكفل مريم . وهذا تعجيب من الله
نبيه " صلى الله عليه وآله وسلم " من شدة حرصهم على كفالة مريم ، والقيام بأمرها ، عن قتادة . وقيل :
هو تعجيب من تدافعهم لكفالتها ، لشدة الأزمة التي لحقتهم ، حتى وفق لها خير
الكفلاء لها زكريا .
( وما كنت لديهم إذ يختصمون ) فيه دلالة على أنهم قد بلغوا في التشاح عليها
إلى حد الخصومة . وفي وقت التشاح قولان أحدهما : حين ولادتها ، وحمل أمها
إياها إلى الكنيسة ، تشاحوا في الذي يحضنها ، ويكفل تربيتها ، وهذا قول الأكثر .
وقال بعضهم : كان ذلك وقت كبرها وعجز زكريا عن تربيتها . وفي هذه الآية دلالة
على أن للقرعة مدخلا في تميز الحقوق . وقد قال الصادق " عليه السلام " : ما تقارع قوم ،
ففوضوا أمورهم إلى الله تعالى ، إلا خرج سهم المحق . وقال : أي قضية أعدل من
القرعة ، إذا فوض الأمر إلى الله تعالى ، يقول : ( فساهم فكان من المدحضين ) .
وقال الباقر : أول من سوهم عليه مريم ابنة عمران ، ثم تلا ( وما كنت لديهم إذ يلقون
أقلامهم ) الآية . والسهام ستة ثم استهموا في يونس ، ثم كان عبد المطلب ولد له
تسعة بنين ، فنذر في العاشر إن يرزقه الله غلاما أن يذبحه ، فلما ولد له عبد الله لم
تفسير مجمع البيان — صفحة 292
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٩٢