وجه الجواب ، كأنه قيل : ما أم الكتاب ؟ فقال : هن أم الكتاب كما يقال : من نظير
زيد ؟ فيقال : نحن نظيره والثاني : إن الآيات بمجموعها أصل الكتاب وليست كل آية
محكمة أم الكتاب ، وأصله ، لأنها جرت مجرى شئ واحد في البيان والحكمة ،
ومثله قوله : ( وجعلنا ابن مريم وأمه ) آية ، ولم يقل آيتين ، لأن شأنهما واحد في
أنها جاءت به من غير ذكر ، فلم تكن الآية لها إلا به ، ولا له إلا بها . ولو أراد أن كل
واحد منهما آية على التفصيل ، لقال آيتين .
( فأما الذين في قلوبهم زيغ ) أي : ميل عن الحق ، وإنما يحصل الزيغ
بشك ، أو جهل ( فيتبعون ما تشابه منه ) أي : يحتجون به على باطلهم ( ابتغاء
الفتنة ) أي : لطلب الضلال والإضلال ، وإفساد الدين على الناس . وقيل : لطلب
التلبيس على ضعفاء الخلق ، عن مجاهد . وقيل : لطلب الشرف والمال كما سمى
الله المال فتنة في مواضع من كتابه . وقيل : المراد بالفتنة ها هنا الكفر ، وهو المروي
عن أبي عبد الله ، وقول الربيع والسدي .
( وابتغاء تأويله ) ولطلب تأويله على خلاف الحق . وقيل : لطلب مدة أكل ( 1 )
محمد على حساب الجمل ، وابتغاء معاقبته ، ويدل على ذلك قوله ( ذلك خير
وأحسن تأويلا ) أي : عاقبة ، وقول العرب : تأول الشئ : إذا انتهى . وقال
الزجاج : معنى ابتغائهم تأويله أنهم طلبوا تأويل بعثهم وإحيائهم ، فأعلم الله أن ذلك
، لا يعلمه إلا الله . ويدل على ذلك قوله ( هل ينظرون إلا تأويله ) . واختلف في الذين
عنوا بهذا فقيل : عني به وفد نجران ، لما حاجوه في أمر عيسى ، وسألوه ، فقالوا :
أليس هو كلمة الله وروحا منه ؟ فقال : بلى . فقالوا : حسبنا . فأنزل الله : ( فأما
الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ) يعني أنهم قالوا إن الروح ما فيه بقاء
البدن ، فأجروه على ظاهره . والمسلمون يحملونه على أن بقاء البدن كان في وقته
به ، كما أن بقاء البدن بالروح .
وقد قامت الدلالة على أن القديم تعالى ليس بذي أجزاء وأعضاء ، وإنما يضاف
الروح إليه تشريفا للروح ، كما يضاف البيت إليه . ثم أنزل ( إن مثل عيسى عند الله
كمثل آدم خلقه من تراب ) ، عن الربيع . وقيل : هم اليهود طلبوا علم أكل هذه
الأمة ، واستخراجه بحساب الجمل ، عن الكلبي . وقيل : هم المنافقون عن ابن
هامش
( 1 ) الأكل بالضم وضمتين : الرزق والحظ من الدنيا .