قبل إنزال القرآن ( هدى للناس ) مفعول له أي : دلالة وبيانا . وقيل : يعني به الكتب
الثلاثة أي : ليهتدي أهل كل كتاب بكتابه ، وأهل كل زمان بما أنزل في زمانه .
وقيل : إن ( هدى للناس ) حال من الكتاب أي : هاديا للناس ( وأنزل الفرقان ) يعني
به القرآن . وإنما كرر ذلك لما اختلفت دلالات صفاته ، وإن كانت لموصوف واحد ،
لأن كل صفة فيها فائدة غير فائدة الأخرى . فإن الفرقان هو الذي يفرق بين الحق
والباطل فيما يحتاج إليه من أمور الدين في الحج وغيره من الأحكام ، وذلك كله في
القرآن . ووصفه بالكتاب يفيد أن من شأنه أن يكتب . وروى عبد الله بن سنان ، عن
أبي عبد الله " عليه السلام " أنه قال : الفرقان هو كل آية محكمة في الكتاب ، وهو الذي يصدق
فيه من كان قبله من الأنبياء . وقيل : المراد بالفرقان الأدلة الفاصلة بين الحق
والباطل ، عن أبي مسلم . وقيل : المراد به الحجة القاطعة لمحمد " صلى الله عليه وآله وسلم " على من
حاجه في أمر عيسى . وقيل : المراد به النصر .
( إن الذين كفروا بآيات الله ) أي : بحججه ودلالاته ( لهم عذاب شديد ) لما
بين حججه الدالة على توحيده ، وصدق أنبيائه ، عقب ذلك بوعيد من خالف فيه ،
وجحده ، ليتكامل به التكليف . ( والله عزيز ) أي : قادر لا يتمكن أحد أن يمنعه من
عذاب من يريد عذابه ، وأصل العزة : الامتناع ، ومنه أرض عزازاي : منيعة السلوك
لصعوبتها . ومنه يقال من عزيز أي : من غلب سلب ، لأن الغالب ممتنع عن الضيم .
فالله تعالى عزيز أي : ممتنع من حيث إنه قادر لنفسه لا يعجزه شئ .
( ذو انتقام ) أي : ذو قدرة على الانتقام من الكفار ، لا يتهيأ لأحد منعه .
والانتقام : مجازاة المسئ على إساءته ( إن الله لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في
السماء ) لما ذكر سبحانه الوعيد على الإخلال بمعرفته ، مع نصب الأدلة على
توحيده ، وصدق أنبيائه ، اقتضى أن يذكر أنه لا يخفى عليه شئ ، فيكون في ذلك
تحذير من الاغترار بالاستسرار بمعصيته ، لأن المجازي لا تخفى عليه خافية .
فإن قيل : لم قال ( لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء ) ، ولم
يقل : لا يخفى عليه شئ على وجه من الوجوه ، فيكون أشد مبالغة ؟ قلنا : لأن
الغرض أن يعلمنا أنه يعلم ما يستسر به في الأرض أو في السماء ، والإفصاح بذكر
ذلك أعظم في النفس ، وأهول في الصدر ، مع الدلالة على أنه عالم بكل شئ .
فإن قيل : لم لم يقل إنه عالم بكل شئ في الأرض والسماء ؟ قلنا : لأن
تفسير مجمع البيان — صفحة 236
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٣٦