العقاب عند هذه التوبة . وفيما عداها خلاف . . وإصلاح العمل : هو إخلاصه
من قبيح ما يشوبه . والتبيين : هو التعريض للعلم الذي يمكن به صحة
التمييز ، من البين الذي هو القطع .
الاعراب : موضع ( الذين ) : نصب على الاستثناء من الكلام الموجب .
ومعنى الاستثناء : الإختصاص بالشئ دون غيره . فإذا قلت : جاءني القوم إلا
زيدا ، فقد اختصصت زيدا بأنه لم يجئ . وإذا قلت : ما جاءني إلا زيد .
فقد اختصصته بالمجئ . وإذا قلت : ما جاءني زيد إلا راكبا ، فقد اختصصته
بهذه الحالة دون غيرها من المشي والعدو وغيرهما .
المعنى : ثم استثنى الله سبحانه في هذه الآية من تاب وأصلح ، وبين من
جملة من استحق اللعنة فقال : ( إلا الذين تابوا ) أي : ندموا على ما قدموا
( وأصلحوا ) نياتهم فيما يستقبل من الأوقات . ( وبينوا ) اختلف فيه ، فقال
أكثر المفسرين : بينوا ما كتموه من البشارة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم . وقيل : بينوا التوبة ،
وإصلاح السريرة بالإظهار لذلك ، فإن من ارتكب المعصية سرا ، كفاه التوبة سرا ،
ومن أظهر المعصية ، يجب عليه أن يظهر التوبة . وقيل : بينوا التوبة بإخلاص
العمل .
( فأولئك أتوب عليهم ) أي : أقبل . والأصل في أتوب أفعل التوبة ، إلا أنه
لما وصل بحرف الإضافة ، دل على أن معناه أقبل التوبة . إنما كان لفظه مشتركا بين
فاعل التوبة والقابل لها للترغيب في صفة التوبة ، إذ وصف بها القابل لها ، وهو الله
عز اسمه ، وذلك من إنعام الله على عباده ، لئلا يتوهم بما فيها من الدلالة على مفارقة
الذنب أن الوصف بها عيب ، فلذلك جعلت في أعلى صفات المدح .
( وأنا التواب ) هذه اللقطة للمبالغة ، إما لكثرة ما يقبل التوبة ، وإما لأنه لا يرد
تائبا منيبا أصلا . ( الرحيم ) : ووصفه سبحانه نفسه بالرحيم عقيب قوله ( التواب )
يدل على أن اسقاط العقاب عند التوبة ، تفضل من الله سبحانه ، ورحمة من جهته ،
على ما قاله أصحابنا ، وأنه غير واجب عقلا على ما يذهب إليه المعتزلة . فإن قالوا :
قد يكون الفعل الواجب نعمة إذا كان منعما بسببه كالثواب والعوض لما كان منعما ،
بالتكليف وبالآلام التي تستحق بها الأعواض ، جاز أن يطلق عليها اسم النعمة ؟
فالجواب : إن ذلك إنما قلناه في الثواب والعوض ضرورة ، ولا ضرورة هاهنا تدعو
تفسير مجمع البيان — صفحة 448
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٤٨