والغني الذي يمنع حق الله ضد الرحيم الرقيق القلب بذي القربى وكل مسلم ،
والفقير الفخور ضد المتعفف الصابر على شدة الفقر وضره . وأوصاف هؤلاء الثلاثة
هي : الظلم ، والبخل ، والكبر ، والثلاثة ترجع إلى الظلم ، لأن الملك يظلم الناس
بيده ، والبخيل يظلم الفقراء بمنع حقوقهم الواجبة ، والفقير الفخور يظلم الناس
بفخره عليهم ، بقوله ، وأذاه لهم بلسانه .
وفي " صحيح مسلم " ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،
في حديث طويل ذكر فيه المقاتل والقارئ والمتصدق الذين يراؤون بأعمالهم ،
وقال : " أولئك أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة يا أبا هريرة " .
وقد يجمع بين هذا الحديث والذي قبله ، بأن هؤلاء الثلاثة أول من تسعر بهم
النار ، وأولئك الثلاثة أول من يدخل النار ، وتسعير النار أخص من دخولها ، فإن
تسعيرها يقتضي تلهبها وإيقادها ، وهذا قدر زائد على مجرد الدخول ، وإنما زاد
عذاب أهل الرياء على سائر العصاة ، لأن الرياء هو الشرك الأصغر ، والذنوب
المتعلقة بالشرك أعظم من المتعلقة بغيره .
وقد ورد أن فسقة القراء يبدأ بهم قبل المشركين ، فروى عبد الملك بن إبراهيم
الجدي ، حدثنا عبد الله بن عبد العزيز العمري ، عن أبي طوالة ، عن أنس ، عن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : " الزبانية أسرع إلى فسقة القراء منهم إلى عبدة
الأوثان ، فيقولون : يبدأ بنا قبل عبدة الأوثان ؟ فيقال لهم : ليس من علم كمن لا
يعلم " . خرجه الطبراني وأبو نعيم وقال : غريب من حديث أبي طوالة ، تفرد به عند
العمري ، انتهى . والعمري هذا هو أبو عبد الرحمن الزاهد رحمه الله .
وقد ذكرنا ، في الباب الخامس والعشرين ، أحاديث متعددة في خروج عنق من
النار يوم القيامة ، تتكلم ، وأنها تلتقط من صفوف الخلق : المشركين والمتكبرين
وأصحاب التصاوير ، وفي رواية " ومن قتل نفسا بغير نفس ، فينطلق بهم قبل سائر
الناس بخمسمائة عام " . وروي عن ابن عباس وغيره من السلف ، أن ذلك يكون
التخويف من النار — صفحة 283
مساهمون: عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي ( ابن رجب الحنبلي )
ص٢٨٣