ومعنى إرميس عطارد .
وقال آخرون : اسمه باليونانية طرميس ، وهو
عند العبرانيين خنوخ ، وعرب أخنوخ ، وسماه
الله عز وجل في كتابه العربي المبين إدريس .
وقال هؤلاء : إن معلمه اسمه الغوثاذيمون
وقيل : أغثاذيمون المصري ، ولم يذكروا من
كان هذا الرجل ، إلا أنهم قالوا : إنه أحد
الأنبياء اليونانيين والمصريين ، وسموه أيضا
اورين الثاني وإدريس عندهم اورين الثالث ،
وتفسير غوثاذيمون السعيد الجد ، وقالوا : خرج
هرمس من مصر وجاب الأرض كلها ثم عاد إليها
ورفعه الله إليه بها ، وذلك بعد اثنين وثمانين
سنة من عمره .
وقالت فرقة أخرى : إن إدريس ولد ببابل
ونشأ بها وأنه أخذ في أول عمره بعلم شيث بن
آدم وهو جد جد أبيه ، لأن إدريس ابن يارد بن
مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث . قال
الشهرستاني : إن أغثاذيمون هو شيث .
ولما كبر إدريس آتاه الله النبوة فنهى
المفسدين من بني آدم عن مخالفتهم شريعة آدم
وشيث ، فأطاعه أقلهم وخالفه جلهم ، فنوى
الرحلة عنهم وأمر من أطاعه منهم بذلك ، فثقل
عليهم الرحيل من أوطانهم فقالوا له : وأين نجد إذا
رحلنا مثل بابل ؟ - وبابل بالسريانية النهر وكأنهم
عنوا بذلك دجلة والفرات - فقال : إذا هاجرنا لله
رزقنا غيره .
فخرج وخرجوا وساروا إلى أن وافوا هذا
الإقليم الذي سمي بابليون ، فرأوا النيل ورأوا
واديا خاليا من ساكن ، فوقف إدريس على النيل
وسبح الله وقال لجماعته : بابليون ، واختلف في
تفسيره فقيل : نهر كبير ، وقيل : نهر كنهركم ،
وقيل : نهر مبارك ، وقيل : إن " يون " في السريانية
مثل أفعل التي للمبالغة في كلام العرب ، وكأن
معناه نهر أكبر ، فسمي الإقليم عند جميع الأمم
بابليون ، وسائر فرق الأمم على ذلك إلا العرب
فإنهم يسمونه إقليم مصر نسبة إلى مصر بن حام
النازل به بعد الطوفان ، والله أعلم بكل ذلك .
وأقام إدريس ومن معه بمصر يدعو الخلائق
إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطاعة الله
عز وجل ، وتكلم الناس في أيامه باثنين وسبعين
لسانا ، وعلمه الله عز وجل منطقهم ليعلم كل فرقة
منهم بلسانها ، ورسم لهم تمدين المدن ، وجمع له
طالبي العلم بكل مدينة فعرفهم السياسة المدنية
وقرر لهم قواعدها ، فبنت كل فرقة من الأمم مدنا
في أرضها ، وكانت عدة المدن التي أنشئت في
زمانه مائة مدينة وثماني وثمانين مدينة أصغرها
الرها وعلمهم العلوم .
وهو أول من استخرج الحكمة وعلم النجوم ،
فإن الله عز وجل أفهمه سر الفلك وتركيبه ونقط
اجتماع الكواكب فيه وأفهمه عدد السنين
والحساب ، ولولا ذلك لم تصل الخواطر
باستقرائها إلى ذلك .
وأقام للأمم سننا في كل إقليم تليق كل سنة
بأهلها ، وقسم الأرض أربعة أرباع ، وجعل على
كل ربع ملكا يسوس أمر المعمور من ذلك الربع ،
وتقدم إلى كل ملك بأن يلزم أهل كل ربع بشريعة
ميزان الحكمة — صفحة 3037
مساهمون: محمد الريشهري
ص٣٠٣٧