تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ميزان الحكمة — صفحة 3037

مساهمون:

ص٣٠٣٧
ومعنى إرميس عطارد . وقال آخرون : اسمه باليونانية طرميس ، وهو عند العبرانيين خنوخ ، وعرب أخنوخ ، وسماه الله عز وجل في كتابه العربي المبين إدريس . وقال هؤلاء : إن معلمه اسمه الغوثاذيمون وقيل : أغثاذيمون المصري ، ولم يذكروا من كان هذا الرجل ، إلا أنهم قالوا : إنه أحد الأنبياء اليونانيين والمصريين ، وسموه أيضا اورين الثاني وإدريس عندهم اورين الثالث ، وتفسير غوثاذيمون السعيد الجد ، وقالوا : خرج هرمس من مصر وجاب الأرض كلها ثم عاد إليها ورفعه الله إليه بها ، وذلك بعد اثنين وثمانين سنة من عمره . وقالت فرقة أخرى : إن إدريس ولد ببابل ونشأ بها وأنه أخذ في أول عمره بعلم شيث بن آدم وهو جد جد أبيه ، لأن إدريس ابن يارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث . قال الشهرستاني : إن أغثاذيمون هو شيث . ولما كبر إدريس آتاه الله النبوة فنهى المفسدين من بني آدم عن مخالفتهم شريعة آدم وشيث ، فأطاعه أقلهم وخالفه جلهم ، فنوى الرحلة عنهم وأمر من أطاعه منهم بذلك ، فثقل عليهم الرحيل من أوطانهم فقالوا له : وأين نجد إذا رحلنا مثل بابل ؟ - وبابل بالسريانية النهر وكأنهم عنوا بذلك دجلة والفرات - فقال : إذا هاجرنا لله رزقنا غيره . فخرج وخرجوا وساروا إلى أن وافوا هذا الإقليم الذي سمي بابليون ، فرأوا النيل ورأوا واديا خاليا من ساكن ، فوقف إدريس على النيل وسبح الله وقال لجماعته : بابليون ، واختلف في تفسيره فقيل : نهر كبير ، وقيل : نهر كنهركم ، وقيل : نهر مبارك ، وقيل : إن " يون " في السريانية مثل أفعل التي للمبالغة في كلام العرب ، وكأن معناه نهر أكبر ، فسمي الإقليم عند جميع الأمم بابليون ، وسائر فرق الأمم على ذلك إلا العرب فإنهم يسمونه إقليم مصر نسبة إلى مصر بن حام النازل به بعد الطوفان ، والله أعلم بكل ذلك . وأقام إدريس ومن معه بمصر يدعو الخلائق إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطاعة الله عز وجل ، وتكلم الناس في أيامه باثنين وسبعين لسانا ، وعلمه الله عز وجل منطقهم ليعلم كل فرقة منهم بلسانها ، ورسم لهم تمدين المدن ، وجمع له طالبي العلم بكل مدينة فعرفهم السياسة المدنية وقرر لهم قواعدها ، فبنت كل فرقة من الأمم مدنا في أرضها ، وكانت عدة المدن التي أنشئت في زمانه مائة مدينة وثماني وثمانين مدينة أصغرها الرها وعلمهم العلوم . وهو أول من استخرج الحكمة وعلم النجوم ، فإن الله عز وجل أفهمه سر الفلك وتركيبه ونقط اجتماع الكواكب فيه وأفهمه عدد السنين والحساب ، ولولا ذلك لم تصل الخواطر باستقرائها إلى ذلك . وأقام للأمم سننا في كل إقليم تليق كل سنة بأهلها ، وقسم الأرض أربعة أرباع ، وجعل على كل ربع ملكا يسوس أمر المعمور من ذلك الربع ، وتقدم إلى كل ملك بأن يلزم أهل كل ربع بشريعة