عن مالك واختلف إليه كما كنت تختلف إليه .
فاغتممت من ذلك ، وخرجت من عنده وقلت
في نفسي : لو تفرس في خيرا لما زجرني
عن الاختلاف إليه والأخذ عنه ، فدخلت مسجد
الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وسلمت عليه ، ثم رجعت من الغد إلى
الروضة وصليت فيها ركعتين ، وقلت : أسألك
يا الله يا الله أن تعطف علي قلب جعفر وترزقني من
علمه ما أهتدي به إلى صراطك المستقيم ،
ورجعت إلى داري مغتما ولم أختلف إلى مالك بن
أنس لما اشرب قلبي من حب جعفر ، فما خرجت
من داري إلا إلى الصلاة المكتوبة حتى عيل
صبري ، فلما ضاق صدري تنعلت وترديت
وقصدت جعفرا وكان بعد ما صليت العصر ، فلما
حضرت باب داره استأذنت عليه فخرج خادم له
فقال : ما حاجتك ؟ فقلت : السلام على الشريف ،
فقال : هو قائم في مصلاه ، فجلست بحذاء بابه ،
فما لبثت إلا يسيرا إذ خرج خادم فقال : ادخل
على بركة الله ، فدخلت وسلمت عليه ، فرد السلام
وقال : اجلس غفر الله لك ، فجلست ، فأطرق مليا
ثم رفع رأسه ، وقال : أبو من ؟ قلت : أبو عبد الله ،
قال : ثبت الله كنيتك ووفقك ، يا أبا عبد الله ما
مسألتك ؟ فقلت في نفسي : لو لم يكن لي من
زيارته والتسليم غير هذا الدعاء لكان كثيرا ، ثم
رفع رأسه ثم قال : ما مسألتك ؟ فقلت : سألت الله
أن يعطف قلبك علي ويرزقني من علمك ، وأرجو
أن الله تعالى أجابني في الشريف ما سألته ، فقال :
يا أبا عبد الله ليس العلم بالتعلم ، إنما هو نور
يقع في قلب من يريد الله تبارك وتعالى أن يهديه ،
فإن أردت العلم فاطلب أولا في نفسك حقيقة
العبودية ، واطلب العلم باستعماله ، واستفهم الله
يفهمك ، قلت : يا شريف ، فقال : قل : يا أبا عبد الله ،
قلت : يا أبا عبد الله ما حقيقة العبودية ؟ قال : ثلاثة
أشياء : أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوله الله ملكا ،
لأن العبيد لا يكون لهم ملك ، يرون المال مال الله
يضعونه حيث أمرهم الله به ، ولا يدبر العبد لنفسه
تدبيرا ، وجملة اشتغاله فيما أمره تعالى به ونهاه
عنه ، فإذا لم ير العبد لنفسه فيما خوله الله تعالى
ملكا هان عليه الإنفاق فيما أمره الله تعالى أن ينفق
فيه ، وإذا فوض العبد تدبير نفسه على مدبره هان
عليه مصائب الدنيا ، وإذا اشتغل العبد بما أمره الله
تعالى ونهاه لا يتفرغ منهما إلى المراء والمباهاة مع
الناس ، فإذا أكرم الله العبد بهذه الثلاثة هان عليه
الدنيا وإبليس والخلق ، ولا يطلب الدنيا تكاثرا
وتفاخرا ، ولا يطلب ما عند الناس عزا وعلوا ،
ولا يدع أيامه باطلا ، فهذا أول درجة التقى ، قال
الله تبارك وتعالى : * ( تلك الدار الآخرة نجعلها
للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا
والعاقبة للمتقين ) * .
قلت : يا أبا عبد الله أوصني ، قال : أوصيك
بتسعة أشياء فإنها وصيتي لمريدي الطريق إلى الله
تعالى ، والله أسأل أن يوفقك لاستعماله ، ثلاثة منها
في رياضة النفس ( 1 ) ، وثلاثة منها في الحلم ،
وثلاثة منها في العلم ، فاحفظها وإياك والتهاون
بها ، قال عنوان : ففرغت قلبي له .
فقال : أما اللواتي في الرياضة : فإياك أن
هامش
( 1 ) الرياضة : تهذيب الأخلاق النفسية .