تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحاضرات والمحاورات — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
أما بعد ، فان اللَّه ( 1 ) مؤيد أهل الآداب بالتعظيم والتبجيل وفصل الخطاب ، ومطلع نجوم سعودهم في سماء كل جيل على مر السنين والأحقاب ، وقد اخترتك بالحكمة والتفضيل للوقوف على هذا الكتاب ، وأخبرتك بما جرى بيني وبين الدنيا من أقاويل ورد الجواب ، وذلك اني أجريت في بعض الأيام ذكر زخارفها والأباطيل بين خواص الأصحاب ، وتذاكرنا كم لها من قتيل وصريع بسهام شهواتها ومصاب وسليم ، بسلاسته سلسبيل ، لمى ثناياها العذاب ، وجلنا في ميادين مخادعتها بخيل التعجب أبعد مجال وولجنا في أبواب مختلفة من مكرها والاحتيال ، وكيف تتزين لخطابها بجلابيب جمال المحال ، وتجرر ذيول التذلل والاختيال ، تلاعب من بنيها الأطفال ، وتلهيهم بخشاخيش ( 2 ) الانتقال من حال إلى حال ، وتجذب بأزمة عقول الشباب والكهول من الرجال ، إلى خواص غمرات الأهوال ، لبلوغ الكواذب من الآمال ، وتطمع الشيب من فسح الآجال ، تمطيهم بعجزهم ركائب الحرص ، فتراهم بين شد دائم وترحال . / ولم تزل كذلك حتى آذن النهار بالزوال ، وأتى أتيّ الليل من جميع الجهات ، وسال ومال بنا ركب السهر إلى معرس الهجوع ، وهمّ كلّ منا إلى منزله بالرجوع ، فلما أويت إلى مضجعي وطفقت سوام العيون في رياض الغمض ترتعي ، هتف بي هاتفها ( 3 ) من وراء حجاب ، وخاطبتني مخاطبة الكواعب الأتراب ، وأفحمتني من البلاغة بما يليق من الجواب ، وأدارت عليّ حميّ العتاب ، بكؤوس من التلطف وأكواب ، ثم قالت : يا هذا أتتعرض لشتمي في الملا ، وتتودد إلىّ في الخلا ، وتذم من تيمك هواها وتسب من سباك على الوصف حسن مرآها ، قلبك بفنون جمالها مفتون ، وجنانك بليلى حبها مجنون ، ما هذا من الإنصاف ، ولا يعدّ من المحبين ( 4 ) من اتصف بهذا الاتصاف ، أما أنت المعرّض في فريضتك بذكري ، أما أنت المعرض خدم جوارحك لخدمة قهري ، أما أنت المتألم من صدودي وهجري ، أما أنت المكنّي بأسماء مقصودك اسمي ، أما أنت المتذلل لأوامري وحكمي ، ألست القائل والعاذل بسمعك عن طريق العاذل : [ الطويل ]
أيجمل بي يا جمل طوع العواذل وحبك جار في جميع مفاصلي ولو ملت يوما عن هواك تجردت سيوف صبابات أصبن مقاتلي
هامش
( 1 ) من هنا نقص في نسخة ع حوالي 17 صفحة . ( 2 ) الخشاخيش : لعله يريد الأمور الملهية ، خشخش السلاح وغيره : صوّت إذا حرّك ، يقال : خشخش الثوب الجديد وتخشخش إذا صوت . ( 3 ) ب : هاتف . ( 4 ) في ط : بعد هذا بقعة حبر طمست ثلاثة أسطر .