تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحاضرات والمحاورات — صفحة 13

مساهمون:

ص١٣
وفي سنة 903 ه ثار عليه صوفية الخانقاه البيبرسية ، وكادوا أن يقتلوه ، فقد حملوه بأثوابه ورموه في الفسقية ( 1 ) ، وفي سنة 906 ه غضب عليه السلطان العادل طومان باي ، وأراد أن يفتك به ، فتوارى السيوطي ، وبقي متواريا مئة يوم ، وهي مدة سلطنة طومان باي ( 2 ) . وفي غمرة هذه الأحداث ، واشتداد هجمة الخصوم والحساد ، قرر السيوطي أن يعتزل التدريس والإفتاء ، ويلزم بيته للتأليف والعبادة ، وكتب في ذلك المقامة اللؤلؤية التي يبين فيها سبب اعتزاله ، والسيوطي يؤرخ لنفسه في كتبه ويسجل كل حدث ينزل به أو يقرره هو ، سجل جل هذه الأمور في كتبه ورسائله ومقاماته ، نقرأ ذلك في : ( المقامة المزهرية المسماة بالنجح إلى الصلح ) ( 3 ) ، يقول فيها : إنه تصدى للإفتاء سبع عشرة سنة ، وبقي في الإفتاء والتدريس إلى أن بلغ من العمر أربعين سنة ، وبعد ذلك أعتزل ، وكذلك في رسالة ( التنفيس في الاعتذار من ترك الإفتاء والتدريس ) ، وفي مقامة : ( الاستنصار بالواحد القهار ) ( 4 ) ، يذكر : أنه قاسى كثيرا من تصديه للفتوى ، وناله بسبب ذلك ما يكون له عذر في ترك الإفتاء ، وكذلك في مقدمة كتابه تنوير الحوالك ، أما في : ( المقامة اللؤلؤية ) ( 5 ) ، فيزيد الأمر إيضاحا ويذكر لذلك أسبابا ، ويقدم معاذير كثيرة ، مبينا اختلال الموازين في ذلك الزمان ، وغلبة الجهال والسفهاء على أهل العلم والتقى ، يقول بنبرة غاضبة حزينة : « يا معشر الأحباب الصلحاء ، وألى الألباب النصحاء ، ومن لاح له أمر فلام عليه ولحا ، إلى كم تكثرون عليّ الكلام ، وتكبرون لديّ الملام . . . أليس هذا زمان الصبر ، الصابر فيه كقابض على الجمر ؟ رأينا فيه ما أنذر به الرسول ، وصحت به الأحاديث والنقول لكل سئول ، من آيات وعلامات ، ما كانت تقع فيما مضى منامات ، ويود كل لبيب لو أنه عند المنى مات ، وما من آية إلا وقد أمر النبي ، عليه الصلاة والسلام ، بأن يلزم العالم عندها خاصة نفسه ، ويجلس في بيته ويسكت ، ويدع العوام من ذلك الشح المطاع ، ودنيا مؤثرة ، وهوى له ذو اتباع ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، وذلك عين الابتداع ، قد مرجت الأمانات والعهود ، وكثر القائلون بالزور والشهود ، وجم الاختلاف ، وقل الائتلاف ، وكذّب الصادق ، وصدّق الكاذب المائق ، وخوّن الأمين وأتمن الخائن ومن يمين . . . وتعلم المتعلم لغير العمل ، وكان التفقه للدنيا وليس
هامش
( 1 ) بدائع الزهور 3 / 388 . ( 2 ) بدائع الزهور 3 / 471 ، 4 / 5 - 6 . ( 3 ) شرح مقامات السيوطي 2 / 1041 . ( 4 ) المصدر السابق 1 / 225 . ( 5 ) السابق نفسه 2 / 996 .